علاقة الإنسان بالإنسان2
يمامة الوادي | 2010-03-09

http://www.twbh.com/index.php/site/article/read22769

وبعد هذا التوضيح كان الأمر الإلهي بعبادة الله وحده والإحسان بالوالدين. والإحسان بالوالدين يكون أولاً بالطاعة والبر لهما حال صغرك، ثم الرعاية والعناية بهما حين تبلغ أشدك، وبالذات إذا تقدَّم بهما العمر {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23]. حتى أقل الألفاظ التي تُشعرهم بضيقك، فهي عقوق لهما، وأقلُّ تصرف قبيح منك تجاههم عقوق لهما، والمطلوب منك الإحسان كأعلى وأسمى درجات التعامل {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23].


وبعد هذا التوضيح كان الأمر الإلهي بعبادة الله وحده والإحسان بالوالدين.

والإحسان بالوالدين يكون أولاً بالطاعة والبر لهما حال صغرك، ثم الرعاية والعناية بهما حين تبلغ أشدك، وبالذات إذا تقدَّم بهما العمر {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23].

حتى أقل الألفاظ التي تُشعرهم بضيقك، فهي عقوق لهما، وأقلُّ تصرف قبيح منك تجاههم عقوق لهما، والمطلوب منك الإحسان كأعلى وأسمى درجات التعامل {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23].

والقول الكريم رسائل حبٍّ منك إليهم تدوم بها المودة والمحبة {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].

وخفض الجناح من الذل كناية عن شدة التواضع، ولتكن دعواتك لهما بالرحمة والمغفرة وحسن العاقبة؛ لأنهما استقبلا مجيئك استقبالاً حسنًا.

وقد ورد عن أنس في الحديث الذي قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - آمين ثلاث مرات، وهو يصعد إلى المنبر، فقال جبريل: ((رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما، فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين))، ورغم أنف: معناه ذلَّ وهلك.

وكما ورد عن الإمام أحمد أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخرج إلى الجهاد في سبيل الله، فسأله الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((فهل لك من أمٍّ))، قال الرجل: نعم، فقال: ((فالزمها؛ فإن الجنة عند رجليها)).

وروى الإمام أحمد - أيضًا - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يد المعطي العليا أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك)).

وبيَّن لنا - سبحانه وتعالى - تفاصيل العلاقات في قوله - تعالى -: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36].

وقد وضَّح الرسول - صلى الله عليه وسلم - نقاطًا في غاية الأهميَّة، ويجب ألا نغفل عنها أبدًا إذا أردنا حياةً كريمةً، ومآبًا إلى الله بنفوس راضيةٍ مرضيَّةٍ، منها:

أ- البر بالوالدين يستمرُّ حتى بعد وفاتهما؛ بالدعاء لهما.
ب- من حسن إسلام المرء أن يودَّ الرجل أهلُ وُدِّ أبيه.
ج - صلة الرحم ضرورة من الضرورات، ويترتَّب عليها صلة الإنسان بربه.
د- برُّ الوالدين من الخصال الحميدة التي تؤتي ثمارها في الدنيا، حيث ينعم البار والديه مع أولاده في المستقبل التالي بالبرِّ منهم، بالإضافة إلى ما عند الله من حسن ثواب الآخرة.
هـ- البركة لا تدخل في الأرزاق والأعمار إلا من خلال صلة الرحم.
و- لا يدخل الجنةَ قاطعُ رحم، ولا عاق والديه حتى يرضيا عنه.
وبعد هذا التوضيح من رحمة الله المهداة، كيف حالنا مع والدينا؟ وماذا ننتظر من أبنائنا؟ وهل زرعنا برَّ الآباء لنحصد برَّ الأبناء؟ هل سألنا الله - سبحانه - أن يبارك لنا في أعمارنا وأرزاقنا، ومهَّدْنا لذلك بصلة الأرحام؟

هل حقًّا نودُّ أن نكون من أهل الجنة، حتى ولو لم نحسن دندنة[4] رسول الله ولا دندنة معاذ بن جبل؟ هل استعددنا قبل الرحيل، وقبل أن يفاجئنا الأجل؟ هل دائمًا وأبدًا نتذكَّر قوله - تعالى -: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح: 4]؟

وقد علمنا قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الكَيِّسُ من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت))، فهل عملنا لما بعد الموت، أم أننا أخذتْنا الدنيا وزينتُها وزخرفها؟

ونذكِّر أنفسنا والقارئ الكريم في هذا الصدد بقوله - سبحانه وتعالى -: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22، 23].

وأيضًا قوله - تعالى - وهو يصف الفاسقين الضالين، قال: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27].

وبعد أن وضَّح لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأحاديثه أهميَّةَ البرِّ بالوالدين في أحاديث كثيرة، حقَّ له أن يقول: ((اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد)).

ثانيًا: حقوق القرابة والجيرة (الأرحام والنظائر):


قضى الله - سبحانه - بين العباد بحُسن العِشْرة، وبيَّن لنا كيف تدوم المودة، وحتى لا يظنَّ أحد أنه يتفضَّل على أهله؛ وضع - سبحانه - الأمورَ في نصابها، وحدَّد أن ما تعطيه إنما هو حقٌّ لهم وليست مِنحة منك.

فأصحاب المال وُكلاء الله، وعلى الوكيل أن يتصرَّفَ في ما عنده حسب تعليمات الموكِِّّل، قال الله - تعالى -: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الروم: 38].

والناس درجاتٌ في تقدير هذا الحق؛ فمنهم من التزم بنسبة معيَّنة {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25]، ومنهم من جعل المقدار نسبة غير محددة، وجعل نصيبًا كبيرًا من ماله من حقِّ الآخرين {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19].

ومنهم من جعل كلَّ ما عنده حقًّا للغير {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].

فكلُّنا حريصٌ جدًّا - أو هكذا يجب أن نكون - فيما يتعلَّق بالأرحام، فالعلاقة مع الأبناء موضوع لا يجدي فيه الإيجاز، ويحتاج إلى كتابٍ مستقل.

والكلُّ يخاف من اختصام الرَّحم أمام الله يوم القيامة، حين تتعلَّق الرَّحم بعرش الرحمن، وتقول: يا رب قُطعتُ، يا رب ظُلمتُ، يا رب أُسيء إليَّ، والله - سبحانه - يقول لها: أما يكفيك أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، تقول: يا رب رضيت.

وهؤلاء ينفقون أموالهم رغم حاجتهم إليها وحبهم الشديد لها؛ طلبًا لما عند الله من حسن الثواب، ويدَّخرون الأموال أفضل ادخارٍ؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فهم يبيعون الدنيا ويشترون الآخرة، قدوتهم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: ((إنما أنا والدنيا كراكبٍ استظلَّ بشجرة وترَكَها))، وكلُّ أنظارهم تتَّجه إلى العَلي القدير؛ إذ يحدِّد لنا مجامع الصلاح، وخصال الخير، وحقيقة البر؛ من إيمان بالله والغيب كلِّه، إلى علاقة سويَّة مع الناس من حولك، إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم بعد ذلك الارتفاع بمستوى معاملاتك إلى أعلى الدرجات، فيوفي العهد ويصبر على ما أصابه، وإن شاء يكون من الذين صدقوا، وبالتالي من المتَّقين الذين يأمَنون عقاب الله وناره (يوم لا ظلَّ إلا ظله)؛ لأنه كان صادقًا في إيمانه {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} [البقرة: 177].

كذلك الجار له حقوق عليك؛ للحديث الذي ورد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مازال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننتُ أنه سيورثه))، فهذه الوصايا التي كانت من جبريل - عليه السلام - وحيٌ يوحَى، كانت كثيرة ومركَّزة، للدرجة التي جعلت الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - يظنُّ أن الجار سيشترك في الميراث مع الأهل، وقد ورد - أيضًا - عن صاحب العلوم الإلهيَّة الذي لا ينطق عن الهوى، سيدنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن))، قال الصحابة: لقد خاب وخسر، من يا رسول الله؟! قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من لا يأمن جارُه غوائلَه)).

فنجد أنه مطلوب منك أن تبذلَ كلَّ الخير لجارك، وأنت مأجور على ذلك - بإذن الله - وكذلك مطلوب منك ألاَّ تؤذي جارك، وألاَّ تمسه شرورك، وإلا فقد ضاعتْ منك صفةُ الإيمان، وأصبحتَ من المذمومين الذين خابوا وخسروا الخسران المبين.

وللأسف الشديد أننا في زمانٍ الدرهمُ فيه أغلى من الجار ومن ذوي القربى، وعند بعض الناس أغلى من الأهل والأولاد، مع أن قاطع اللذات - وهو الموت - يتربَّص بنا جميعًا {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} [الليل: 11].

وقد بيَّن لنا - سبحانه وتعالى - نهاية كلِّ شيء عند نهاية دار الفناء، فقال عن الأموال: {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 4 - 7].

ومن تمسَّك بالهالك، فهو هالك لا محالةَ، وقد قال أحد الصالحين: "غاية كل متحرك إلى سكون، ونهاية كل متكون ألا يكون، وآخر الأحياء فناء، والجزع على الأموات غباء، وإذا كان ذلك كذلك، فلِمَ التهالك على المتهالِك؟!".

وأيُّ شيءٍ أفظع من إنسان يخسر جاره وأقاربه وأهله في سبيل المال؟! وأين هؤلاء الموهومون من غضب الله، وهم يبذلون كلَّ شيءٍ في سبيل المال فقط؟ {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 35].

وفي المقابل يضع الله الصورة المشرفة للذين اختاروا خصال الخير كلَّها، وأنفقوا الأموال في مرضاة الله: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].

وهكذا وقد وضحَ أمامك نهاية كلَّ طريق، عليك أن تختار بدقة بالغة في أيِّ الطرق تسير، اللهم اجعلنا من القليل، القليل الذين قلت عنهم: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13].

وأساس القرابات تنشأ من التزاوج، فنظَّم لنا - سبحانه وتعالى - الأسلوب النظيف الذي يجب أن يتبع عند النواة الأولى للقرابات؛ قال - تعالى -: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

وهذا الأساس لم يتركْه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عُرضةً للنزاعات، ولكنه أوصى بجوامع الكلم، فوجَّه كلامه إلى معشر الشباب أولاً، قال: ((يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة، فليتزوجْ)).

فإذا قام القادرون يريدون تنفيذ وصية أستاذهم ومعلمهم، حدَّد لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - كيف يتمُّ الاختيار: ((اظفر بذات الدين تربت يداك)).

ولم يترك - صلى الله عليه وسلم - الطرف الثاني (الفتيات) إلا وقد وصاهنَّ بأسلوب الموافقة والاختيار أيضًا، فقال لأوليائهن: ((إذا جاءكم من ترضَون دينه وخلقه، فزوِّجوه)).

فإذا اجتمع الشمل بين الزوجين، نجد أن الطرف الأقوى - وهو الزوج - عليه ألا يفتري على ضعف الزوجة، وليضع دائمًا نصب عينيه قولَ المصطفى: ((ولزوجك عليك حقًّا)).

وحتى في آخر حياته وفي خطبة الوداع، يذكِّرنا الرسول بأهمية الحفاظ على هذه العلاقة، يقول: ((أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهن حقٌّ؛ ألا يوطِئن فُرُشَكم غيرَكم، ولا يدخلن أحدًا تكرهونه بيوتَكم إلا بإذنكم، وألا يأتين بفاحشة، فإن انتهين وأطعنكم، فعليكم رِزقُهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، فاتقوا الله في النساء، واعقلوا أيها الناس قولي، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد)).

ثم أدناك أدناك.
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وعلى هذا الأساس تكون كلُّ علاقاتنا بإخواننا في الله، نأخذ بيد الجاهل حتى يتعلَّم، وبيد الضال حتى يهتدي، وبيد المظلوم حتى يأخذ حقَّه، ونمسك على يد الظالم حتى ينتهي، ونمسك على يد المستهتر إلى أن يرشد.

ولا نكون أعوانًا للشيطان على إخواننا البشر، ثم نأتي إلى الذين ضلَّ أعمالهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، نتحاور بالحُجة والفكر، نستدلُّ على ما نقول بالقرآن والسُّنَّة، نطرح البدع جانبًا، ونتمسك بالأصل.
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25].

فكلُّنا على سفينة واحدة، وتطيح الأمواج بنا جميعًا دون تمييز، والكوارث والشدائد تحلِّق فوقنا ليل نهار، ولا ندري هل هذه الشدائد اختبار لإيماننا إن كنا مؤمنين، أم هي مصائب بما كسَبْنا إن كنا عاصين؟

علينا أن نقتدي بالرسول وصحْبه، كيف كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم؟ كانوا نِعْم الرجالُ، من وضَعَه القدر على رأس الدولة، يقول للناس: "إني وُليتُ عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم"[5]

ومن أعطاه الله علمًا، يقول للناس: "اسألوني قبل أن أقبض، وما من آية في القرآن إلا وأعرف أين نزلت، ومتى نزلت، ولماذا نزلت"[6]
ومن أعطاه الله السلطة، يقول للناس: "القوي ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه، والضعيف قوي عندي حتى أخذ الحقَّ له".

ومن آتاه الله الحكمة يقول للناس:

لِسَانُكَ لاَ تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ

ومن آتاه الله المال جعله في سبيل الله، ومن آتاه الله القوة بذلها في سبيل نصرة الإسلام.

وهكذا نجدهم يتواصَوْن بالحقِّ والصبر، ونجدهم أخوة حقًّا، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يسلمه، كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه)).

شدَّد الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أهمية الحفاظ على هذه العلاقة نظيفةً من الشُّبهات، سليمةً من الآفات، وأرسى هو وأصحابه أقوى الدعامات التي تبنى عليها أخوة الإسلام، وساروا على هدى القرآن بخطوات ثابتة واثقة، سلكوا أفضل السُّبل بقيادة قائد البشرية، ولِمَ لا وكلُّهم يحفظون قول الله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 11، 12]؟

ونحن - أيضًا - نأمل أن نسيرَ على نفس الطريق الذي سار عليه السلف الصالح، ونأمل أن نخطو حذو النعل بالنعل على دربهم، ونسلك نفس السبل على هدى القرآن، فلا نسخر ولا نتنابز بالألقاب، ولا يغتب بعضُنا بعضًا؛ لأننا لا نود أن نرى إخواننا في مكروه.

ونريد أن نتحاور مع الناس حولنا بالأسلوب الذي اتَّبعه سيدنا إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - مع قومه مع أنهم كُفَّار، وأراد أن يقنعهم بضلال فكرهم في عبادة الأوثان والنجوم، وأخذهم على قَدْر عقولهم تدريجيًّا ليصل إلى النتيجة الحتميَّة، فلما زعموا له أن الإله هو النجم، قال لهم: فلْنَرَ ونتأكَّدْ {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76].

وهذا كان من سيدنا إبراهيم مناظرة مع قومه كما جاء في التفسير، ولم يكن يبحث عن ربٍّ له كما زعم بعض الناس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78].

وهكذا أوضح سيدنا إبراهيم بالبرهان أنَّ قومه في ضلالٍ مبين، وبيَّن لهم أنَّ هؤلاء الأربابَ لا يَصلُحون، كما أنهم لا ينفعون أو يضرون، وبعد أن جعلهم يفكرون في الأمور بجديَّة وعقلانيَّة، قال لهم: {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79].

لا ننسَ أن رسولنا الأعظم - صلوات الله وسلامه عليه - حينما واجه أهلَ الكتاب، وكلُّهم يزعمون أن لله ولدًا - سبحانه عما يصفون - {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] - قال له الله - سبحانه وتعالى -: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف:81].

فما أحوجَنا إلى أن نتَّبع هذه السيرةَ العطرة، نقتدي بهم ونتعلَّم منهم أسلوب الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، وقد أورد الله لنا جانبًا من هذه السيرة في كتابه المحكم.

سبحانك ربَّنا، لا عِلم لنا إلا ما علمتنا، وكفانا كتابك علمًا، هذا الكتاب الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، وما أوتينا من العلم إلا قليلاً.

وبهذا القليل نريد أن نرجع إلى قومنا منذرين؛ لأن بين أيدينا كتابًا ينطق بالحقِّ، ويهدي إلى الحقِّ، ونقول لهم كما قال إخواننا من الجن: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31].

ولأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول: ((من كتم علمًا، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار))، ولأن الحقَّ أحقُّ أن يتبع.

نريد أيضًا أن نتواصى بالحق، وأن نتعاون على الحق، وأن نتكاتف في الحق، ولا يدع أحدنا أخاه وحيدًا مع الشيطان؛ لأنه كما قال الشاعر:

وَقُلْ لِمَنْ يَدَّعِي بِالعِلْمِ مَعْرِفَةً حَفِظْتَ شَيْئًا وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ

فكلُّنا مهما كان قد حفظ شيئًا، غابت عنه أشياءُ، فإذا لم نكن معًا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى، فكيف نواجه أنفسنا؟ والنفس أمَّارة بالسوء إلا ما رحم ربي، وإذا لم نضع أيدينا في أيدي البعض ((ويد الله مع الجماعة، إنما يأكل الذئب من الغنمِ القاصيةَ))، فكيف نحارب العدو وهو يجري مجرى الدم في عروقنا؟

ولنا أسئلة كثيرة - وما أَضيعَ العمرَ وأقساه إن خلا من رجاء! - أرجو أن تكون الإجابة عنها كلها بلا، لا.
• هل تتفق معي أن نفوسنا تغيَّرت ومشاعرنا تبلدت، وضاعت من أيدينا الخريطة التي توضح لنا معالم الطريق؟
• هل جهلنا أو تجاهلنا أن الناس بخيرٍ ما تعاونوا؟
• هل وصل بنا الحال إلى الدرجة التي فقدنا عندها الأمل في علاقات إنسانيَّة؟


ربما تكون الإجابة: نعم، وقد تكون الإجابة: لا، ولكن لماذا لا نبني علاقاتنا على الألفة والفطرة؟
لماذا لا تكون علاقاتنا محفوفة بالعناية الإلهيَّة، ومصونة بتعاليم إسلامنا الحنيف؟
وما الذي جعل أحد الفلاسفة يقول: "كلما ازددت معرفة بالناس، ازداد حبي لكلبي"؟


يجب أن نعترف دون خجل، نحن الذين نصنع بأنفسنا كلَّ ذلك، ونحن الذين تردَّينا إلى أسفل سافلين بانصرافنا عن محكم التنزيل، وكأننا دائمًا نبحث عن موارد الهلاك في علاقاتنا، حتى الوسائل التي استحدثناها وزعمنا أنها لتوطيد العلاقات بين الناس، أصبحتْ مدعاةً للانقسام والتطرف والتناحر، وأحيانًا التقاتل والتخاصم.

فنحن ندَّعي المحبة في أمور هي عين البغضاء التي يبثُّها الشيطان، فمثلاً في بعض أشكال الرياضة، وبالأخص الملاكمة والمصارعة الحرَّة، وكلها تُقام تحت دعاوى المسابقات الرياضية، وليس هذا من الآدمية في شيء - ولا أقول من الإسلام - وكنت أتوقَّع أن يتبارى رجال الإفتاء بإصدار آراء صريحة حول هاتين الرياضتين المزعومتين، وهل تتفق هذه الأمور مع المنطق؟ هذا جانب، أما الجانب الآخر، وهو الأدهى والأمرّ، أن الرياضة الأخرى التي لا تتعارض مع الفكر القويم إلا إذا زادت عن الحدِّ - مثل لعب الكرة مثلاً - تدهورت في أخلاقياتها، وصاحَبَها ما هو أشد وأنكى، وذلك من بعض الجماهير التي تزحف مثل الجيوش التي خرجتْ للحرب، ولكنها للأسف ما ذهبت لتسلِّي نفسها بمشاهدة ما يتبارى فيه اللاعبون، ولكن لتسبَّ وتشتم، وربما لتضرب، وأصبح الإنسان منا يتحرَّج من الكلمات الجارحة التي تخدش الحياء، وتقتحم علينا بيوتنا عبر شاشات التلفاز، فأصبحتْ أغلب مباريات الكرة مثلَ الأفلام الخليعة، إلا أن مقص الرقيب لا يصلها.

وهناك مسائل جانبية تضرب علاقات المودة في مقتل، وهي انتماءات بعض محبي الرياضة من الجمهور إلى الأندية المتنوعة بتعصبٍ شديد وأعمى، هؤلاء المتعصبون نجدهم في كلِّ الأوساط، بعض الكُتَّاب ينشرون عبر الصحف بأسلوب الفتنة تحت اسم الرياضة، وفي الملاعب بعض اللاعبين لديهم استعداد لإصابة الخصم بعاهة مستديمة مع سبق الإصرار والترصُّد، وأيضًا تحت اسم الرياضة، أما ما يحدث في المدرجات، فحدِّث ولا حرج.

وأصبحت الحيرة لازمة على كلِّ حال، فقد كان الانتماء إلى البشرية في العهود السابقة كافيًا لتربية النخوة والمروءة، فتسللت الانفصاليَّة في نفوس البشر؛ مرةً لأسباب دينيَّة، ومرَّات لأسباب قوميَّة أو حدوديَّة، والقَبَلِيَّة باتت في أزهى عصورها، وأخيرًا فرخت لنا الأيام وسيلةً جديدةً للانقسام، بأن ينحاز كلُّ مجموعة إلى نادٍ من الأندية، وبعد ذلك اللاعبون يتغيَّرون، وأحيانًا يتمُّ تغيير الأماكن أو شكل ملابس اللاعبين، وربما يتمُّ تغيير اسم النادي، ومع ذلك يقول لك الجمهور: أنا عندي انتماء للنادي، أيُّ انتماء؟ قد يظن البعض أن هذه رياضة، ولكنها الفرقة التي يبثها الوسواس الخنَّاس، ونظرةٌ متجردة في أحوال الأسرة الواحدة عند مباراة الكرة خيرُ دليلٍ على ذلك.

والخلاصة:

مطلوب أن تكون العلاقة الطيبة أولاً، وبعدها - وبما يتفق معها - يتمُّ ترتيب الأولويات، ويجب ألا تهزمنا الأنانية.

فقد أكلنا التراث أكلاً لَمًّا، وأحببنا المال حبًّا جمًّا، نعم حبًّا جمًّا، وقليلٌ منا الصالح في أعماله، المستقيم في علاقاته، من هداه الله منا، فهو من عباد الرحمن الذين ينطبق عليهم قول الرسول: ((سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى))، ومن ضلَّ عن سبيل الله واتَّبع هواه، فقد فسدتْ أعماله، واعوجت علاقاته، وأصبح وليًّا للشيطان ((وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا حدَّث كذَب، وإذا اؤتمن خان))، وكثير ما هم.

أخي المسلم:

لا شكَّ أن الدنيا ظل زائل، والحياة الدنيا متاع، وقد طبع الله على قلب كلِّ متكبِّر جبَّار، وحيث إن الدنيا ((مال من لا مال له، ودار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له)) كما ورد عن خير البرية، فمن المؤكد أن الدار الآخرة هي دار القرار، وفاز من اتَّبع سبيل الرشاد.
{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44].

ــــــــــــــــــ
[1] هذه حكمة، ولا يلزم صحتها في جميع ما تشير إليه.
[2] رواه البخاري.
[3] رواه البخاري ومسلم.
[4] تمثلاً بما قاله الصحابي الجليل.
[5] أبو بكر الصديق حين تولى الخلافة.
[6] جاء ذلك على لسان علي بن أبي طالب.







محيي الدين صالح المصدر: من كتاب “يا قومنا أجيبوا داعي الله”