طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2010-07-27

عدد الزوار 1613

فلنحسن الاستعداد، ولنتهيأ للضيف الحبيب الغالي بأحسن صورة، وأجمل ترتيب وأدق تنظيم، وأروع استقبال بالقلب والعقل والبدن والنفس والروح، فبقدر الضيف يكون الاستعداد


أنين الصمت

لهف الانتظار



عندما يخبرنا خبير بقدوم عزيز لنا؛ سرعان ما تبدأ الاستعدادات بكل ألوانها وطرائقها، فتتهيأ النفوس وتتزين الأماكن وترتب المواعيد وتنظم الأوقات، فمن كان مستعدا لإجازة الصيف أو كان يستعد لإجازة الربيع أو كان يستعد لقدوم ضيف غال حبيب يبذل كل ما وسعه، ويسخر كل ما منحه الله من إمكانات لحسن الاستعداد والاستقبال، وهذا أمر محبوب بل ومطلوب.

وإن المتطلّع في واقعنا، وَسْط أجواء المتغيرات المتكاثرة، والركام الهائل من المشكلات الحياتية وتسارع الأحداث، ليلحظ بوضوح أن النفوس المؤمنة توّاقة إلى تحصيل ما يُثبت قلوبها، وإلى النهل مما تطفئ به ظمأها، وتسقي به زرعها، وتجلو به صدأها، فهي أحوج ما تكون إلى احتضان ضيف كريم، يحمل في جنباته مادة النماء، فهي مشرئبّة لحلوله، يقطّعها التلهّف إلى أن تطرح همومها وكدَّها وكدحها عند أول عتبة من أعتابه، بعد أن أنهكت قواها حلقات أحداث مترادفة، بعضها يموج في بعض، حتى غلت مراجلها، واشتدّ لهيب أَتُّونها، فما برحت تأكل الأخضر واليابس، تفجع القلوب، وتعكّر الصفو، وتحار وسط زوابعها العقول والأفهام؛ فلأجل هذا كله كان الناس بعامة أحوج ما يكونون إلى حلول شهر الصيام والقيام، شهر الراحة النفسية والسعادة الروحية، شهر الركوع والسجود، شهر ضياء المساجد، شهر الذكر والمحامد، شهر الطمأنينة ومحاسبة النفس، وإيقاظ الضمير، والتخلص من النزعات الذاتية، والملذات الآنية، في شهوات البطون والفروج، والعقول والأفئدة، والتي شُرع الصيام لأجل تضييق مجاريها في النفوس، وكونه فرصة كل تائب، وعِبرة كل آيب،(يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)سورة البقرة.

إن الضيف القادم يحمل معه فرصة كبرى ومنحة عظمى، في أن يطهر نفسه، لكي يعدّها لتلقي نفحات القرآن في قيام الليل، (إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِي أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً) سورة المزمل، وناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته، فهي أجمع على التلاوة من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، وفرصة كل عابد محب أن يستثمر فيما يكسب ويربح أضعاف ما يبذل.

ضيفنا القادم يحمل لنا هداياه الغالية الثمينة فقد روى الإمام أحمد(وصححه الشيخ شاكر) ورواه الترمذي وحسنه وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام يوم القيامة، ويفتح لها أبواب السماء ويقول: بعزتي لأنصرنَّك ولو بعد حين).

هوَ الضَّيفُ الكَريمُ المُنتَظر سَيَحِلُّ بَينَنا، بعد دورانِ الأفلاكِ وتَعاقب الليلِ والنَّهَار هَاهو رمضانُ القرآن، رمَضَانُ الجودِ والإحسان ، رَمَضانُ الخيرِ والإيمان يَحِلُّ بيننا..

فُرصةٌ سَانِحةٌ إذا أقْبَلَ وحلَّ بينَنا رَمَضان، لتَدارك الكثير من الأعمالِ التي غَفلنا عَنْهَا طوالَ عامٍ كَاملٍ.

فُرصَةٌ سَانِحَةٌ بينَ يَديِّ العَاقِل، لمن يَعِي حَجمَ الفُرْصةِ المَمنُوحَةِ لَهُ حِينَمَا قدَّرَ اللهُ لَهُ أن يُدْرِكَ رَمَضان.. فالعاقِل من يستثمر الفرصة، ليحقق فوزا مستحقا بعد أن يبذل الأسباب، ويستلهم الحكمة ويدرك الغاية ليكون من الفائزين وليستحق التهنئة يوم توزيع الجوائز ودخول رحاب الرحمن فتفتح له الأبواب، يدعى للدخول من أي منها شاء، إنه الفوز الكبير الذي به تمحى كل هموم الدنيا وتزول كل المنغصات، فهو حينها في سعادة أبدية، نعم أبدية؛ لأنها جنان الرحمن التي قيل فيها (لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)سورة ق.

فلنحسن الاستعداد، ولنتهيأ للضيف الحبيب الغالي بأحسن صورة، وأجمل ترتيب وأدق تنظيم، وأروع استقبال بالقلب والعقل والبدن والنفس والروح، فبقدر الضيف يكون الاستعداد.

ومرحبا بهذا الضيف الحبيب القادم ....
مرحبا بشهر المغفرة والرضوان ..
مرحبا بشهر القرآن ... مرحبا بشهر العتق من النيران...
مرحبا تراحيب كل جميل وعزيز..
مرحبا بقدر ما فضله الله تعالى على سائر الشهور والأيام.. ونحن بقلوبنا وعقولنا في الانتظار.....



د/ مبروك رمضان