طريق التوبة

الحمد لله الذي فرض على عباده الصيام والقيام في رمضان، وأظلهم فيه بليلة هي خيرمن ألف شهر على مر الزمان،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فضلنا بشهر رمضان ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى أعلمنا أن في رمضان تفتح أبواب الجنان، اللهم صلى وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان.


الشيخ عبدالعزيز رجب

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

الحمد لله الذي فرض على عباده الصيام والقيام في رمضان، وأظلهم فيه بليلة هي خيرمن ألف شهر على مر الزمان،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فضلنا بشهر رمضان ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى أعلمنا أن في رمضان تفتح أبواب الجنان، اللهم صلى وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان.

وبعد

عندما فرض الله عزوجل علينا الصيام كانت لحكم تشريعية حكيمة ومقاصد ربانية عالية ،ومن أهم المقاصد والحكم التى من أجلها شرع الصيام هى أن يخرج المسلم من شهر الصيام وهو من المتقين ،كما قال سبحانه: :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183)

فما هى التقوى ؟وما هى أهميتها،وفوائدها؟وكيف يوصل الصيام للتقوى؟وما هى الوسائل العملية لتحصيل التقوى ؟هذا ما سنتعرف عليه من خلال هذا الموضوع بإذن الله رب العالمين.

ما التقوى ؟ وماذا نتقي؟

التقوى هي: العدة الوافية، والجنة الواقية، في ظاهر التقوى شرف الدنيا، وفي باطنها شرف الآخرة. سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء.

التقوى وصية الله لعباده، حيث قال: { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً }(النساء:131)

ووصية الله للمؤمنين خاصة:
قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }(آل عمران:102)

ووصية رسول الله –صلى الله عيه وسلم إلى أمته:
عن أبى ذر –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال :" اتقِ الله حيثما كنتَ وأَتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها وخَالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ ".(1)

ووصية الصحابة –رضي الله عنهم لأبنائهم:
عن عمر –رضي الله عنه-: أنه كتب إلى ابنه عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما-: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله، فإنه من اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكر زاده، ولتكن التقوى نصب عينيك وعماد عملك وجلاء قلبك، فإنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له ". (2)

وعن أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال: التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد للرحيل.

التقوى: طاعة الله وعدم معصيته، فعن عاصم قال:قلنا لطليق بن حبيب:صف لنا التقوى؟فقال:التقوى عمل بطاعة الله رجاء رحمة الله، على نور من الله، وترك معصية الله مخافة الله، على نور من الله.(3)

التقوى هي:

مثل رجل أصاب جوهرة نفيسة قيمتها بيوت من الدناني،ر أو ثوبا قيمته ألف دينار، أو جارية لها ثمن غال شخصت إليها الأبصار منظرا ومخبرا، أو صرة مسك ذكي الريح، أو بازي طير أبيض تام الجثة،مقدار الدرهم التام أهداه إليه ملك عال.

فأنت تبقي على الجوهرة مخافة السراق ولا تعرضها إلا على من عنده من فنون الأموال مخافة أن يدلسها فيقبض منه الجوهرة ويبدلها بالزجاج شبهة ولا يعرف هو الجوهر من الزجاج فهي عندك مكنونة في اللفائف والحقة والدرج وتقيها من الغبار ومن كل آفة ونحوها

وكذا تتقي على الثوب اتقاء مثله من اللف والطي ووضعه في الصندوق وربطه فيما بين اللوحين

وتتقي على صرة المسك فلا تفتحها لئلا يذهب ريحها ولا يصل إليها غدار فتعوض من كبد الضأن وغيره

وتتقي على الجارية فتحبسها وتصونها وتلبسها لباس مثلها وتطعمها طعام مثلها وتمنعها عن الخروج والبروز لئلا يطلع عليها أحد أو يحبها ظالم فيخرجها من يدك ويبقى قلبك معلقا بها مع الصراخ والعويل .

وتتقي على البازي من كل آفة لئلا ينكسر جناحه فيعجز عن الطيران وإن قصرت في بعض تربيته ومداراته لا يألف وترك الإلف ويطير ويتركك خاليا فلا تراه أبدا .

فانظر كيف تتقي على الأشياء وكيف حذرك وحراستك لهذه الأشياء وتلطفك بها وصيانتك لما تخاف عليهم من الآفات وضيعت حراسة أعظم الأشياء قدرا وأنفسها خطرا وهو مخ التقوى فقد عظمت حجة الله عليك لأن هذا القلب خزانة الله –تعالى- وضع فيها جوهرا نفيسا لا يحاط بمبلغ ثمنه وهي المعرفة.

فإن نظرت إلى نفاستها وقدرها لم تقدر أن تحيط بثمنها علما ولا ائتمنت عليها أحدا.فيدنسها، وإذا نظرت إلى بهائها ونورها اتقيت عليها من كل دخان من الشهوات لئلا يلج الخزانة فيدنسها، وإن نظرت إلى رقتها اتقيت عليها من كل صدمة من قبل النفس أن تصدمها.

وإن نظرت إلى طيب ريحها اتقيت عليها من كل شيء من المعاصي.

وإن نظرت إلى اصطبارها الطاعات فتشتئ قلوبهم بالدعاء إلى الله تعالى اتقيت عليها من كل تضييع تربيها، وتعاهدها بما يتعاهد مثلها تربية مثلها لئلا تطير عنك فلا يبقى معك سوى معرفة الفطرة معرفة الكفار.

فمن الله تعالى على الموحدين بمنة عظيمة أن أعطاهم نور الهداية حتى وجدوه ونطقوا بكلمة الشهادة وأمرهم بأن يتقوه على ما أعطاهم وهو النور الذي أشرق في قلوبهم ثم من قلوبهم إلى صدورهم فيجعلونه في وقاية الحراسة لئلا يصل إليه ما ليس له بأهل فإن المعرفة قد أيدت بالعقل والعلم والفهم والفطنة والحفظ والذكر والذهن .

فهذه الأشياء حولها قطع الله بذلك ألسنة الآدميين عن نفسه لئلا يكون لأحد عليه حجة لإتيان معاصيه أو سوء ما يأتيه فبقوة هذه الأشياء، يحرس معرفته ويذب عنها مكر النفس ودواهيها وكيد العدو حتى تصير المعرفة في وقاية منها.(4)

وماذا نتقى؟

نتقى عقاب الله، وغضب الله، وسخط الله، وضياع الآخرة.نتقى غضب الله: بالعمل وفق مرضاته.

فإذا كنت في بيتك وقد غلقت عليك الأبواب ولا يراك أحد، وأنت صائم..وبجوارك الطعام الشهي، والماء العذب، وأنت جائع عطشان، فلا تقرب الطعام ولا الشراب مخافة الله –عز وجل-فهذه هي التقوى.

التقوى كما قال عمر بن عبد العزيز :ليس بقيام الليل أو بصيام النهار ،ولكن تقوى الله :ترك ما حرم الله ،وأداء ما افترض الله" .(5)

فعمر بن العزيز الذي عرف لنا التقوى بهذا المفهوم كان من سيرته.

أن سأل زوجته فاطمة يوما أن تقرضه درهما يشترى به عنبا، فلم يجد عندها شيئًا، وقالت له:أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشترى به عنبا؟فقال:هذا أيسر من معالجة الأغلال في نار جهنم.(6)

و قال لمولاه مزاحم ذات يوم: إني قد اشتهيت الحج، فهل عندك شيء؟ قال: بضعة عشر ديناراً. قال: وما تقع مني؟ ثم مكث قليلاً، ثم قال له: يا أمير المؤمنين تجهّز، فقد جاءنا مال سبعة عشر ألف دينار من بعض مال بني مروان، قال: اجعلها في بيت المال، فإن تكن حلالاً فقد أخذنا منها ما يكفينا، وإن تكن حراماً فكفانا ما أصابنا منها، قال مزاحم: فلما رأى عمر ثقل ذلك علي قال: ويحك يا مزاحم لا يكثرن عليك شيء وضعته لله، فإن لي نفساً توّاقة لم تَتُق إلى منزلة، فنالتها إلا تاقت إلى ما هي أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ليس بعدها منزلة، وإنها اليوم قد تاقت إلى الجنة". (7)

ولما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد أفغرت أفواه ولدك من هذا المال، فلو أوصيت بهم إليَ وإلى نظرائي من قومك فكفوك مؤ ونتهم، فلما سمع مقالته: قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: قد سمعت مقالتك يا مسلمة، أما قولك: إني قد أفغرت أفواه ولدي من هذا المال فوالله ما ظلمتهم حقاً هو لهم ولم أكن لأعطيهم شيئاً لغيرهم، وأما ما قلت في الوصية فإن وصيتي فيهم: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} (الأعراف، الآية: 196). وإنما ولد عمر بين أحد رجلين: إما صالح فسيغنيه الله، وإما غير ذلك فلن أكون أول من أعانه بالمال على معصية الله ادع لي بني، فأتوه فلما رآهم ترقرقت عيناه، وقال: بنفسي فتية تركتهم عالة لا شيء لهم وبكى وقال: يا بني إني قد تركت لكم خيراً كثيراً، لا تمرون بأحد من المسلمين وأهل ذمتهم إلا رأوا لكم حقاً يا بني إني قد مثلت بين الأمرين: إما أن تستغنوا وأدخل النار، أو تفتقروا إلى أخر يوم الأبد وأدخل الجنة، فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إلي، قوموا عصمكم الله، قوموا رزقكم الله. (8)

لما احتضر عمر بن عبد العزيز، قالت فاطمة بنت عبد الملك-زوجته-: كنت أسمع عمر يقول في أيا م مرضه: اللهم أخف عنهم موتي ولو ساعة من نهار، فلما كان اليوم الذي قبض فيه خرجت من عنده، وجلست في بيت بيني وبينه باب، فسمعته يقول:{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(القصص:83). ثم هدأ فجعلت لا أسمع له صوتاً ولاحساً ولا كلاماً. فقلت لوصيف كان يخدمه: لو دخلت على أمير المؤمنين فدخل وصاح، فقمت ودخلت عليه وقد أقبل بوجهه إلى القبلة وأغمض عينيه بإحدى يديه وأغمض فمه بالأخرى، ومات رحمه الله.

وجاء في رواية: أن عمر بن عبد العزيز لما كان مرضه الذي هلك فيه قال لهم: أجلسوني، فأجلسوه، ثم قال:أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه وأحد النظر فقالوا له: إنك لتنظر نظراً شديداً، فقال إني لأرى حضرة ليست بإنس ولا جن ثم قبض، وكان نقش خاتمه: عمر بن عبد العزيز يؤمن بالله. (9)

درجات التقوى خمس:

قال ابن جزى:درجات التقوى خمس:1- أن يتقي العبد الكفر وذلك مقام الإسلام .

2-وأن يتقي المعاصي والحر مات وهو مقام التوبة. 3-وأن يتقي الشبهات وهو مقام الورع

4 -وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد 5 - وأن يتقي حضور غير الله على قلبه وهو مقام المشاهدة.(10)

أهمية التقوى:

وللتقوى أهمية كبيرة في حيابها.نسان المسلم سواء في حياته الدنيا أو بعد مماته،

1. لذلك أمر الله عباده المؤمنين أن يتزودوا بها .

قال تعالى:{ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ }(البقرة:197)
يريد المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما أرادا

يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أولى ما استفادا

2. النصر والتمكين:

والنصر والتمكين لا يكون إلا للمتقين، قال تعالى:{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }(القصص:83)

3. دليل على الإيمان:قال تعالى:{ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }(المائدة:57)

وعن أنس –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال:"الإسلام علانية والإيمان في القلب التقوى هاهنا التقوى هاهنا وأشار بيده إلى صدره ".(11)

4. صلاح الحال وغفران الذنوب:

قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً{70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً{71}(الأحزاب)

5. تحقيق محبة الله:

6. قال تعالى:{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }(آل عمران:76)

7. تحقيق ولاية الله:
قال تعالى:{ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ }(الجاثية:19)

8. تنزيل رحمة الله:

قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }(الحديد:28)

9. تكريم الله لا يكون إلا بها:

قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }(الحجرات:13)

لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تدع التقوى اتكالا على الحسب

فقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الشرك اللعين أبا لهب

فهي مفاضلة الخلق وميزان تقويم البشر، قال تعالى:{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [الحجرات:13]، وكأن التقوى في كل شيء هي المثل الأعلى وهي الغاية القصوى.

بل نجد في بعض الأشياء الأخرى: { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ } [التوبة:108].

إذا جئنا إلى بعض القربات أو الأعمال: قال تعالى:{ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } [الحج:37].(12)

10. المساجد تؤسس على التقوى:

شرط المساجد التي هي أفضل الأماكن أن تؤسس على التقوى، قال تعالى:{لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ }(التوبة:108)

البيوت تؤسس على التقوى:وما صلاح البيوت واستمرارها هو أن تؤسس على التقوى:قال تعالى:{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }(التوبة:109).

قال ابن الوردي:

واتقِ اللّه فتقوى اللّه ما ... جاوزَتْ قلبَ امرئٍ إِلا وصلْ

ليس من يقطعُ طرقاً بطلاً ... إنما من يتقي اللّه البطلْ

دعوة الرسل لعبادة الله، وتحصيل التقوى:

ودعوة الرسل لأقوامهم مبنية بعد عبادة الله على التقوى،قال تعالى:{فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ }(المؤمنون:32)

فهذا نوح عليه السلام:قال تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ }(المؤمنون:23)

وهذا هود عليه السلام:قال تعالى:{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ }(الأعراف:65)

فوائد التقوى:ومن فوائد وثمرات ما أعده الله –عز وجل- للمتقين:

1-الاستقبال الحافل يوم القيامة:قال تعالى:{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً }(مريم:85)

وعن على–رضي الله عنه-عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في قوله { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً} قال:"أما والله ما يحشرون على أقدامهم، ولا يساقون سوقا، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم ينظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة ".(13)

قال تعالى:{هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ }(ص:49)

2-الجنة:وأما أهل الجنة فهم المتقون، الذين اتقوا الله في دنياهم، فأنعم الله عليهم في أخراهم وأدخلهم الجنة عرفها لهم.
قال تعالى:{ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ{30} جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ{31}(النحل)،وقال تعالى:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ }(الحجر:45)....الخ

3-سيجنب النار:قال تعالى:{وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى }(الليل:17)

4-الفلاح في الدنيا والآخرة:قال تعالى:{وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }(البقرة:189)

5-تكفير السيئات:قال تعالى:{ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً }(الطلاق:5)

6-تحقيق معية الله:قال تعالى:{ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }(البقرة:194)

7-تفريج الهموم:قال تعالى:{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً{2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً{3}(الطلاق)

واسمع لهذه القصة التي جاءت في الصحيح وكيف أن الإنسان إذا كان تقيا أخرجه الله من كل مأزق وجعل له من كل هم فرجا.
عن ابن عمر –رضي الله عنه-عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بينما نفر ثلاثة يمشون إذ أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل، فانحطت عليهم في غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم بعض الغار، فقال بعضهم: انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوه بها، فدعوا الله فقال بعضهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وامرأة وصبيان فكنت أرعى عليهم، فإذا رحت إليهم حلبت لهم فبدأت بوالدي أسقيهما قبل بنى، وإنه نأى بي الشجر فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب فجئت فقمت عند رؤسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، فجعلوا يتضاغون عند قدمي، فلم أزل كذلك وكان دأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أنى جعلت ذلك ابتغاء لوجهك فأفرج عنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله لهم فرجة، وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم فأحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت إليها نفسها فأبت على حتى آتيها بمائة دينار، فسعيت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها، فلما قعدت بين رجليها قالت: يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله لهم فرجة، وقال الآخر: اللهم إني استأجرت أجيرا، فلما قضى عمله قال: أعطني حقي، فأعرضت عنه فتركه ورغب عنه، حتى اشتريت بقرا رعيتها له، فجاء بعد حين فقال: اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي، فقلت: اذهب إلى تلك البقر وراعيها فخذه فهو لك، فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك فخذ تلك البقر وراعيها، فأخذها وذهب فإن كنت تعلم إنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج لنا ما بقى ففرجها الله عنهم ".(14)

يقول بعض العابدين: من عاملَ اللّه بتقواهُ... وكان في الخلوةِ يرعاهُ

سقاه كأساً من صفا حُبِّهِ... تَسْلِيَه عن لَذِّ دنياه

فأبعدَ الخَلْقَ وأقصاهم... وانفردَ العبدُ بمولاهُ

كيف يوصل الصيام للتقوى؟

وهذا هو المقصد الرئيسي للصيام كما قال رب العزة –جل وعلا:قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183)

ولكن كيف يوصل الصيام للتقوى:

لأننا بالصيام نتقى المعاصي والذنوب، لأن امتلاء البطن بالطعام والشراب رأس البواعث على الفحشاء والمنكر، ومعلوم أن الجائع العطشان لا يجد في نفسه من أثر الشهوات ما يجد الممتلىء، ولذا قال إبراهيم بن أدهم:الجوع يرق القلب.

يقول الإمام البنا:"وقد اختار صاحب الشريعة له هذا الشهر من العام أياما معدودات، وامتحن الناس في الصوم في ألصق الشهوات بنفوسهم، وألزم الضروريات لحياتهم، وأعنف الغرائز والعادات سلطانا عليهم ، فكفهم عن الطعام والشراب ، وما إليهما أكثر يومهم ،ولم يجعل عليهم في ذلك رقيبا إلا أنفسهم،ومن إيمانهم باطلاع الله عليهم ، وأية وقاية أدق وأوفى من هذه الرقابة؟ ولأمر ما أشارت الآية الكريمة إلى ذلك في قول الله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }(البقرة:183)".(15)

ويقول العلامة ابن عاشور عن سبب ختام أية الصيام الأولى بقوله "لعلكم تتقون":قال:بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في قوة المفعول لأجله، والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجبا لاتقاء المعاصي، ..ولأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقى المسلم به على حضيض الأنفاس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للإرتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكوارث الحيوانية.

ولذلك روى عن أبى هريرة –رضى الله عنه-قال:قالرسول الله –صلى الله عليه وسلم-:"الصيام جُنَّة ".(16) أي وقاية تتقى به الآفات والمخاطر.(17)



الصيام فرصة لتحقيق التقوى:

إن الصيام فرصة لتحقيق التقوى، وللتوبة إلى الله عزَّ وجلَّ، وللإقلاع عن سائر الذنوب والمعاصي، ومن لم يفلح في تغيير عاداته السيئة في رمضان، فهو في غير رمضان أولى بالبُعد.

هذا على نطاق الفرد، خاصة وأنه يجد المجتمعَ كلَّه يساعده، فأنت إذا ذهبت للمدرسة وجدت الناسَ صائمين، وفي السوق صائمين، وفي الشارع أيضاً تجدهم صائمين، فالمجتمع كله يقوي عزيمتك، ويشد أزرك، ولهذا لا يجد الصائم في رمضان ألم الصيام، ولكنه حين يصوم النفل يجد تعباً ومشقة في ذلك الصيام؛ لأنه يصوم والناس مفطرون، وكذلك لو أفطر الإنسان في رمضان لعذر، أو لمعصية، لم يجد للطعام في حلقه طعماً، ولم يجد للماء مساغاً؛ -هذا إن كان مؤمناً - لأن نفسه وروحه تكره ذلك، وتمقته وتبغضه، فيتحول الحلوُ إلى مُرٍّ علقمٍ.

ثم تقوى المجتمعات كلها، لعلكم تتقون في مجتمعاتكم أيضاً، ولهذا كان رمضان شهراً ذا شخصية مميزة في واقع المسلمين كلهم، فالغريب إذا دخل مجتمعات المسلمين في شهر رمضان، يشعر أن هناك أمراً غير عادي، حتى أهلُ المعاصي والفجور، يغلقون حاناتهم ومواخيرهم، وأماكن فجورهم وفسادهم، ويتجهون إلى المساجد طاعة لله عزَّ وجلَّ، وهذا مصداق ما أخبر به -صلى الله عليه وسلم- " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ".(18)

أي: وُضِعَتْ في السلاسل والأصفاد؛ فلا يَخْلُصون إلى ما كانوا يَخْلُصون إليه قَبْل من الوسوسة للناس، وإغرائهم بالمعصية، ودعوتهم إلى الفجور.

يقول صاحب الظلال:"وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم. . إنها التقوى. . فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله، وإيثاراً لرضاه. والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه. فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم. وهذا الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل إليها. ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفاً ويضيئا يتجهون إليه عن طريق الصيام. . { لعلكم تتقون } .

ويقول الرافعي:فالصوم يتقى المرء على نفسه أن يكون كالحيوان الذي شريعته معدته، وألا يعامل الدنيا إلا بمواد هذه الشريعة، وبالصوم يتقى هذا وهذا ما بين يديه وما خلفه ، فإن ما بين يديه هو الحاضر من طباعه وأخلاقه ، وما خلفه هو الجبل الذي سيرت من هذه الطباع والأخلاق، فيعمل بنفسه في الحاضر ،ويعمل بالحاضر في الآتي.

ويقول الرازي في تفسيره:أما قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }فيه وجوه:

أحدها: أنه سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذات الدنيا ورياستها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه؛ فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعاً له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهوناً عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع لأسباب التقوى فيكون معنى الآية فرضت عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين الذين أثنيت عليهم في كتابي، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم ولما اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه –تعالى- أن يقول عند إيجابها { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } منها بذلك على وجه وجوبه لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لا بد وأن يكون واجباً.

وثانيها: المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى وهذا معنى { لَعَلَّ }.
وثالثها المعنى: لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء فإذا سهل عليكم اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهل وأخف.

ورابعها: المراد { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها وأصالتها.

وخامسها: لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين؛ لأن الصوم شعارهم، والله أعلم.(19)





وصف المتقين وأعمالهم:

وأما وصف المتقين وأعمالهم، فإذا جئنا إلى أول المصحف لتعريف المتقين نجد افتتاحية الكتاب الكريم في أول سورة البقرة: بسم الله الرحمن الرحيم { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ } [البقرة:1-2]،

من هم أولئك المتقون؟ { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } [البقرة:3-4]، هذه صفة المؤمنين.

وإذا جئنا إلى موطن آخر: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [آل عمران:133].

والمتقون هم :{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } [الأعراف:201].

يقول علي بن محمد البسامي:

وإِذا بحثْتَ عن التقيِّ وجدتهُ... رجلاً يصدقُ قولهُ بفعالِ

وإذا اتقى اللّه امرؤٌ وأطاعَهُ... فيداه بين مكارمٍ وفعالِ

وعلى التقى إِذا تراسخَ في التقى... تاجان: تاجُ سَكينةٍ وجمالِ

وإِذا تناسَبَتِ الرجالُ فما أرى... نسباً يكونُ كصالحِ الأعمالِ

بيوت المتقين:عن أبى الدرداء–رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال :" إن المساجد بيوت المتقين ومن كانت المساجد بيوته فقد ختم الله له بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة :.(20)

الوسائل المعينة على تحصيل التقوى:

وهذه هي بعض الوسائل العملية المعينة على تحصيل التقوى:

1-التزين بها:
قال تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }(الأعراف:26)

يقول صاحب الظلال:"هناك تلازم بين شرع الله اللباس لستر العورات والزينة، وبين التقوى. . كلاهما لباس. هذا يستر عورات القلب ويزينه. وذاك يستر عورات الجسم ويزينه. وهما متلازمان. فعن شعور التقوى لله والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح عري الجسد والحياء منه. ومن لا يستحي من الله ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى وأن يدعو إلى العري. . العري من الحياء والتقوى، والعري من اللباس وكشف السوأة!.(21)

وقال الإمام الطبري:"اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

فقال بعضهم:"لباس التقوى"، هو الإيمان ، وقال آخرون: هو الحياء.، وقيل هو العمل الصالح، وقيل هو: السَّمْت الحسن، وقال آخرون: هو خشية الله. (22)

2-العدل:

أي إقامة العدل يحقق التقوى:قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }(المائدة:8)

3-تعظيم شعائر الله:
فتعظيم شعائر الله تأدي إلى التقوى مثل:
أ)الحج:قال تعالى:{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }(الحج:32)
ب)الصيام:قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }(البقرة:183)

4-عبادة الله:

عبادة الله الحقة توصل للتقوى، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }(البقرة:21)

5-إقامة حدود الله وتحكيم شرعه:مثل:
أ)القصاص:قال تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }(البقرة:179)
ب)الوصية:قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }(البقرة:180)

6-إتباع صراط الله المستقيم:

قال تعالى:{وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }(الأنعام:153)

7-الوفاء بالعهد:
قال تعالى:{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }(آل عمران:76)

8-الجهاد:

قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }(التوبة:123)

9-يدع مالا بأس به:
عن عطية السعدي–رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال :" لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس ".(23)

10- -عدم تزكية النفس:

لأن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، ومن أعظم مظاهر التقوى فيهم عدم تزكية النفس؛ لأنَّ الله - عز وجل - قال {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى}(النجم:32)، فجَعَلَ العلم بالتقوى مَوكُولاً أو مِنْ خصائصه سبحانه، جعله مَوكُولاً إلى علمه سبحانه وتعالى.

فإذن صفة المؤمن التقي الذي هو وليٌ لله - عز وجل - أنَّهُ لا يُزَكِّيْ نفسه، فمن زَكَّى نفسه وقال: أنا تقي أو أنا من أولياء الله ونحو ذلك، فهو حقيقٌ بالبُعْدِ عن استحقاق هذا اللفظ، لأنَّ التواضع لله -عز وجل - والذُلَّ لَهْ والخضوع له سبحانه وتعالى والخوف منه والعلم بأنَّ العبد مهما عمل لن يَبْلُغَ التقوى هذا يوجِبْ أن لا يُثْنِي على نفسه بأنَّهُ وَلِي وأنه مُتَّقٍ ونحو ذلك.

11-نجعل خوف الله في قلوبنا:قيل: إن سفيان بن عيينة وقف على عبد الله بن مرزوق وقد جمع بطحاء (صخرة) تحت رأسه وتحت جنبه رمل يسفي عليه التراب، فقال له سفيان: يا أبا محمد إنه من ترك شيئا من الدنيا عوضه الله عليه في الدنيا، فما الذي عوضك مما تركت ؟ قال: الرضا بما أنا فيه الآن، قال: ورأى عبد الله بمكة فقيل له: راكبا جئت أم راجلا ؟ فقال: ما حق العبد العاصي أن يرجع إلى باب مولاه راكبا، لو أمكنني جئت على رأسي ».(24)

قال صالح عبد القدوس:
إذا ما خَلَوْتَ الدهرَ يوماً فلا تقلْ... خلوتُ ولكن قلْ: عليَّ رقيبُ

ولا تحسبنَّ اللّه يغفلُ ساعةً... ولا أن ما يخفى عليه يَغيبُ

ألم تر أن اليومَ أسرعُ ذاهبٍ... وأن غداً للناظرين قريبُ

12-الحذر من الوقوع في المعصية:

قال رجل لأبي هريرة: ما التقوى ؟ قال: « أخذت طريقا ذا شوك ؟ قال: نعم ،قال: فكيف صنعت ؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال: ذاك التقوى ».(25)

خَلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماشٍِ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى

13-أن نتقى الله في كل مكان وزمان:

عن أبى ذر –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال:" اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن".(26)

(حيث) يقولون: إنها للمكان، وتكون للزمان، مثل: اجلس حيث جلس فلان، صلِّ حيث ينتهي بك الصف.

كأنه -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك لـ معاذ مشعراً إياه وهو خارجٌ من المدينة ذاهباً إلى اليمن؛ أن تقوى الله ليست في المدينة فقط، لنزول الوحي فيها، ولوجود الرسول- صلى الله عليه وسلم-، وللقرب من المسجد النبوي، لا، بل حيثما كنت، وهذا التعميم من خصائص التشريع في الإسلام، والتعميم هو: العموم والشمول، فإن كنتَ في أقصى العالم، وإذا ذهبتَ إلى القطب المتجمد الشمالي، وإذا طرت في مركبة فضاء، وإذا نزلت في غواصة تحت الماء، وإذا كنت في منجم تحت الأرض، وإذا كنت في أي مكان فاتقِِ الله حيثما كنت، لماذا؟ لأن الله مطلع عليك أينما توجهت، وأنت إنما تتعامل مع الله، ولذا خرج أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إلى الأمصار ودعَوا إلى الله، ولما كتب بعض السلف إلى إخوانه في الشام: هلم إلى الأرض المقدسة، قال: إن الأرض لا تقدس أهلها؛ ولكن يقدسهم العمل.

( اتقِ الله حيثما كنت ): وأيضاً (كيفما كنت) أي: على أية حالة تكون فيها مع الناس يجب أن يكون معيارك تقوى الله".(27)

14-المسارعة إلى الله:
قال تعالى:{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ{133}.... أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ{136}}(آل عمران/136:133)

15-نتقى الله قدر المستطاع:
قال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }(التغابن:16)

16-الذكر:
قال تعالى:{إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }(الفتح:26)

وعن أبى بن كعب –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال:"{وألزمهم كلمة التقوى} قال لا إله إلا الله ".(28)

وقيل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل: لا إله إلا الله والله أكبر،وقال عطاء بن رباح: هي لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وقيل:بسم الله الرَّحمن الرَّحيم.(29)

17-الدعاء:
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو الله أن يكون من المتقين،فكان سيد المتقين ،ومن دعائه-صلى الله عليه وسلم-ما روى عن ابن مسعود–رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال :{اللهم إني أسألك عيشة تقية وميتة سوية ومردًا غير مخز ولا فاضح ،اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ".(30)

اللهم اجعل التقوى زادنا، واجعل الجنة مآبنا، وارزقنا شكرا يرضيك عنا، وورعا يحجزنا عن معاصيك، اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب على وإن أردت بعبادك فتنة أن تقبضنى إليك غير مفتون، اللهم إني أسألك الرضا بالقضاء }

وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



الشيخ عبدالعزيز رجب





الشيخ عبدالعزيز رجب






التعليقات


إضافة تعليق

الإسم:

التعليق:

تذكر معلوماتي نبهني في حالة وجود المزيد من التعليقات


إرسال لصديق

الإسم:

البريد الإلكتروني:

البريد الإلكتروني للمرسل إليه:

موضوع الرسالة:

نص الرسالة: