طريق التوبة

إن قيساً في سبيل إرواء غرائزه يستخدم و سائل إعلامية غاية في السطحية.. فهو حيناً يكتب رقم هاتفه على السيارة، و حيناً يطويه في ورقة يتحيّن فرصة مرور فتاة أو مروره بفتاة ليرميها.. وربما كتب (بريده الإلكتروني) على جانب سيارته. .. وربما جرؤ و اتصل على رقم بطريقة عشوائية


أنين الصمت


قيس يفتل قيداً! (1)



وقيس هذا حبّة في سبحة مجموعة من الأصدقاء (القيوس /التيوس)، الذين يمثلون (مافيا)، تجد لذتها في (السطو) على العفة والأخلاق. حين يكون قيس بينهم تبدو ضحكاته عالية، و يروي سلسلة مغامراته بانفعال واضح، و يتبادل معهم (النكات) و التعليقات على من يرجع منهم بالإخفاق، و يبدو في كامل نشاطه و الابتسامات تعلو محياه.


لكنه حين يكون في مجتمع من الرجال؛ تنسج على فمه العنكبوت، و حين يكون في غرفة الدراسة تغزو عينيه جيوش النوم، و حين يكون في العمل يبدو كطائر في قفص، و لا يكف عن التثاؤب إلا بالثرثرة… ذلك كله لأن قيساً ليس له (همٌ) في الثقافة أو الإصلاح الاجتماعي! أو العلاقات الأسرية أو التفوق الدراسي أو ممارسة الهوايات المختلفة و الجري في مضمار الإبداع…

قيس لا (يبدع) إلا في شيء واحد هو (الجنس)، ومع ذلك فهو يرتدي ثوباً سابغاً من النرجسية المفرطة… إن لقيس تبعاً (لهمّه) ذاك هواية محببة.. هي مطاردة الفتيات.. وهو يكره المدرسة و المدرسين و الكتب!، و يشعر بالكسل المفرط في كل مكان يذكّره بشيء من الجدّ.. لكنه حين يمارس هوايته في المطاردة لا يعتريه كسل أو يصيبه تعب...

يخرج من سوق إلى سوق… وتعجبه الأسواق المزدحمة… وحين يحين خروج طالبات المدارس يظل (يمرق) بسيارته جيئة ذهاباً... يفتح النوافذ.. يرفع صوت الأغنية .. يلتفت يمنة و يسرة، و يفتعل ابتسامة (ممجوجة الجذب). يضع سيجارة بين أصابعه، يبدو حاسر الرأس، خصلات شعره تتطاير ..هذا عند قيس (قمة) الإثارة و منتهى عملية الجذب.. وهو يضيف إليها في السوق الروائح العطرية و ارتداء الثياب اللامعة..

هو – كما عودته الأيام – يختار (طريدته) بعناية، يرى من تمشي بخطوات ثقيلة و يندر التفاتها إلا لضرورة، ويقل كلامها إلا لحاجة و يبدو على لباسها الاحتشام .. لكنه لا يلتفت إليه.. هي صيد مستعصٍ..

لكنه حين يرى (قطيعا) من الفتيات تتعالى أصواتهن، و ضحكاتهن.. و يتبادلن التعليقات، و يبدون في ملابس لافتة للنظر.. يتجه نحوهن بسرعة و يرمي بـ(صنارته) و قلّ أن تخطيء .. كثيراً ما رآهن – أو رأى إحداهن – تنحني لتأخذ رقما رماه .. فإذا هو يحتضن الهاتف في المساء بلهفة وهو يرفع (الستار) عن بداية (مسرحية) جديدة ينتظر نهايتها بغبطة عبر مراحل طالما أدار (رحاها) على ضحاياه!

إن قيساً قد (عجنت) مشاعره و أحاسيسه بالنفعية، وصبت في قالب الذاتية المقيتة.. إنه يفعل جريمته بدم بارد .. و يمضي بخطوات هادئة و (دم) الضحية يجري على الأرض، و يرى (مشاعرها) تترنح و (أحاسيسها) تلفظ أنفاسها
الأخيرة.. ويسمع بوضوح (نداءاتها) المبحوحة! تدعوه بضراعة فلا يحرك ذلك شعرة في رأس أحاسيسه الغليظة.. بل تزداد سرعة خطواته ابتعاداً عن مسرح الجريمة وهرباً من الضحية.. وربما أطلق ضحكة ساحرة حطّم بها ما بقي للضحية من كبرياء.

قيس (مزيّف) من هذه العصابة عاش في العصر العباسي، و كان يصنع من شعره و قصائده (شبكات) يصطاد بها (الغرات والساذجات) اللاتي لا يخلو منهن زمن.. و حين وقعت إحداهن في مصيدته، و أزهق (روح) عفتها.. ثم صحت من (سكر) النشوة، و أفاقت على أن (كل) عبارات الحب و الوله هي (مسرحية) قد أجاد قيس حبكها.. فزعت، و بكت، وهي لا تدري بأي صورة تقابل أهلها الذين خرجت في غفلة منهم!.. ومن المؤكد أنهم الآن يبحثون عنها.. كما أن آثار الجريمة ظاهرة عليها..

إن قيساً في سبيل إرواء غرائزه يستخدم و سائل إعلامية غاية في السطحية.. فهو حيناً يكتب رقم هاتفه على السيارة، و حيناً يطويه في ورقة يتحيّن فرصة مرور فتاة أو مروره بفتاة ليرميها.. وربما كتب (بريده الإلكتروني) على جانب سيارته. .. وربما جرؤ و اتصل على رقم بطريقة عشوائية.
.
وهو حين يكون من يرد عليه صوتاً نسائياً يدرك – من لغتها – مدى إمكانية اصطيادها، و ربما أخذ رقماً من أحد زملائه.. إذ يعين بعضهم بعضاً في اعتراض طريق الضحية و (تضييق) الطريق عليها ..


وقيس لا يعشق (ليلى) على أنها كانت ليلى، و لكنه يعشقها و يتغزل بها على أنها امرأة، فعشقه (لجنس) المرأة أيّ (ليلىً) كانت، و ترتفع قيمة (ليلى) في نفسه و يزداد عشقه لها كلما كانت (أكثر) جمالاً و (أكثر) غباءً!! لسبب يسير هو أن عشقه لها (مدةُ صلاحيته) محدودة!! و غباء (ليلى) يقصّر عمر العشق لأنه (يسرع) بتحقيق الهدف..


يتبع في الحلقة القادمة...



د. عبد العزيز المقبل






التعليقات


إضافة تعليق

الإسم:

التعليق:

تذكر معلوماتي نبهني في حالة وجود المزيد من التعليقات


إرسال لصديق

الإسم:

البريد الإلكتروني:

البريد الإلكتروني للمرسل إليه:

موضوع الرسالة:

نص الرسالة: