طريق التوبة

رحلت العشر الأول ولئن كنا فرطنا فلا ينفع ذواتنا بكاء ولا عويل ، وما بقي أكثر مما فات ، فلنري الله من أنفسنا خيراً ، فالله الله أن يتكرر شريط التهاون ، وأن تستمر دواعي الكسل ، فلقيا الشهر غير مؤكدة ، ورحيل الإنسان مُنتظر ، والخسارة مهما كانت بسيطة ضعيفة فهي في ميزان الرجال قبيحة كبيرة . فوداعاً ياعشر رمضان الأول ، سائلاً الله تعالى أن يكتب لك النجاة ، وأن يجعلك في عداد الفائزين ، وأن يعينك على ما بقي من شهر الخير . والله يتولاك


أنين الصمت

بعد رحيل العشر الأول

ها هي العشر الأول من رمضان رحلت أو أوشكت على الرحيل ، وثمة حديث يخالج النفس في ثنايا هذا الوداع ، تُرى ما ذا حفظت لنا ؟ وما ذا حفظت علينا ؟ إن ثمة تساؤلات عريضة تبعثها النفس في غمار هذا الوداع .



أول هذه التساؤلات كم تبلغ مساحة هذا الدين من اهتماماتنا ؟ هل نعيش له ؟ أم نعيش لأنفسنا وذواتنا ؟ كم نجهد من أجله ؟ كم يبلغ من مساحة همومنا ؟ إن العيش في حد ذاته يشترك فيه الإنسان مع غيره من المخلوقات ، ولا ينشأ الفرق إلا عندما تسمو الهمم ، وتكبر الأهداف . وعلى أعتاب العشر الثانية آمل ألا يكون نصيبي ونصيبك قول الله عز وجل { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } .

فالسابقون مضوا والسير حفظت لنا قول بكر بن عبد الله : من سره ينظر إلى أعلم رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى الحسن فما أدركنا أعلم منه ، ومن سره أن ينظر إلى أورع رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ابن سيرين إنه ليدع بعض الحلال تأثماً ، ومن سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه فلينظر إلى ثابت البناني فما أدركنا أعبد منه ، ومن سره أن ينظر إلى أحفظ رجل أدركناه في زمانه وأجدر أن يؤدي الحديث كما سمع فلينظر إلى قتادة .

وليت شعري أن نكون وإياك أحد هؤلاء .


سؤال آخر يتردد : حرارة الفرحة التي عشناها في مقدم رمضان تساؤلنا : هل لا زالت قلوبنا تجل الشهر ؟ وتدرك ربيع أيامه ؟ أم أن عواطفنا عادت كأول وهلة باردة في زمن الخيرات ، ضعيفة في أوقات الطاعات ، ورحم الله سلفنا الصالح فلكأنما تقص سيرهم علينا عالماً من الخيال حينما تقول : قال الأوزاعي : كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كانت لأحد من التابعين ، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة ، عشرين منها لم ينظر إلى أقفية الناس . وكانت امرأة مسروق تقول : والله ماكان مسروق يصبح ليلة من الليالي إلا وساقاه منتفختان من طول القيام ، وكنت أجلس خلفه فأبكي رحمة له إذا طال عليه الليل وتعب صلى جالساً ولا يترك الصلاة ، وكان إذا فرغ من صلاته يزحف كما يزحف البعير من الضعف .

قال أبو مسلم : لو رأيت الجنة عياناً أو النار عياناً ما كان عندي مستزاد ، ولو قيل لي إن جهنم تسعّر ما استطعت أن أزيد في عملي .

وكان يقول : أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه ، والله لأزاحمهم عليه حتى يعلموا أنهم خلّفوا بعدهم رجالاً .

وفي ظل هذه الأخبار تُرى كم من صلاة في الجماعة ضاعت ؟ وكم نافلة في صراع الأعمال تاهت ؟ تُرى كم من لحوم إخواننا هتكناها بأنيابنا ؟ تُرى كم هي الخيانة التي عاثتها أعيننا في رحاب الحرمات . كم خطت أقدامنا من خطو آثم ؟ كم ، وكم ، من عالم الحرمات هتّكت فيه الأسوار بيننا وبين الخالق ؟ والمعصية أياً كانت ، حتى لو عاقرناها في ليالي رمضان فلا تبقى خندقاً تحاصركم ، وهي كما قال بعض العلماء :

( أي خلال المعصية لا تزهدك فيها ؟ الوقت الذي تقطعه من نفيس عمرك حين تواقعها ، وليس يضيع سدى ، بل يصبح شؤماً عليك ؟ أم الأخدود الذي تحفره في قلبك وعقلك ثم تحشوه برذائل الاعتياد والإلف السيء والإدمان الخبيث ، والذكريات الغابرة التي يحليها لك الشيطان ليدعوك إلى مثلها ، ويشك إليها ؟ أم استثقال الطاعة والعبادة والملل منها وفقد لذتها وغبطتها ، أم اعراض الله عنك وتخليته بينك وبين نفسك حتى وقعت فيما وقعت ، أم الوسم الذي تميزك به حين جعلتك في عداد الأشرار والفجار والعصاة ، أم الخوف من تحول قلبك عن الإسلام حين تجد حشرجة الموت وكرباته وغصصه ، فياولك إن مت على غير ملة الإسلام ! )


سؤال ثالث يتردد معاشر الدعاة والمصلحين والمربين عُدوا لي بارك الله فيكم في شهر رمضان فقط : ما ذا قدمتم لمجتمعاتكم من خير ؟ دينكم الذي تتعبدون به هل نجحتم في طريقة عرضه ؟ فالبائع ينجح بقدر ما يحسن في طريقة العرض ، وأنتم أولى هؤلاء بحسن الطريقة ، ونوعية التقديم . مجتمعاتكم بكل من فيها ما ذا قدمتم لها ؟ مسجد الحي ، وجيران البيت ، وأقارب الأسرة ، أولى الناس بمعروفك فأين هم من مساحة اهتماماتك ؟

أسئلة تتردد على الشفاه ..

أو ليس رمضان فرصة سانحة للإجابة عنها ؟

أملي أن يكون ذلك .

وكل ما أرجوه أن لاتخرج نفسك أخي الفاضل من قطار الدعاة والمصلحين والمربين أياً كنت ، وفي ظل أي ظروف تعيش ، فالمسؤولية فردية. وعندما نحسن فن التهرب من المسؤولية نكون أحوج ما نكون إلى من يأخذ بأيدينا ، ويحاول إخراجنا من التيه الكبير .

يقول أبا إسحاق الفزاري : ( ما رأيت مثل الأوزاعي والثوري ، فأما الأوزاعي فكان رجل عامة ، وأما الثوري فكان رجل خاصة ، ولو خيّرت لهذه الأمة لا خترت لها الأوزاعي ) .



وأخيراً : رحلت العشر الأول ولئن كنا فرطنا فلا ينفع ذواتنا بكاء ولا عويل ، وما بقي أكثر مما فات ، فلنري الله من أنفسنا خيراً ، فالله الله أن يتكرر شريط التهاون ، وأن تستمر دواعي الكسل ، فلقيا الشهر غير مؤكدة ، ورحيل الإنسان مُنتظر ، والخسارة مهما كانت بسيطة ضعيفة فهي في ميزان الرجال قبيحة كبيرة . فوداعاً ياعشر رمضان الأول ، سائلاً الله تعالى أن يكتب لك النجاة ، وأن يجعلك في عداد الفائزين ، وأن يعينك على ما بقي من شهر الخير . والله يتولاك .



مشعل الفلاحى






التعليقات
حناء بنت الجزائر | 2010-09-05

السلام عليكم وبعد ..

بارك الله فيكم وجعل هذا العمل الجليل العظيم في

ميزان حسناتكم وأن يظلكم به الرحمان في ظليه

في يوم لا ظل الا ظله .

بلغني الله واياكم ليلة لقدر ...امين

عبد العزيز | 2010-08-21

السلام عليكم و رحمة الله تقبل الله صيامكم.

انا هذا الدين العظيم لا يستحق الا رجالا عضماء يقومون بتقدميه الى البشرية
و حرمت هذا الشهر العطبم لا دليل عليه نسال لله ان يهدينا الى الاقتداء بالنيبي الكريم و اصحابه.

سامراحمد | 2010-08-21

السلام عليعكم
بارك الله فيكم على الجهد المتواصل نفع الله بكم كل خير

فعلا مضي العشر الاول والحمد الله لم اضيع اى وقت من غير قراة القرآن الكريم والاستغفار والصلاة على وقتها فى المسجد والحمد الله وأسأل الله ان يمد فى عمرى الى ما بعد رمضان وازد فى الطاعه ان شاء الله

حياكم الله
وتقبلو تحياتي

المشتاقة الى الجنة | 2010-08-21

جزاك الله خير على ماسطرت اناملك من كلمات لامستني فقد اعتبرت ان رمضان هذا قد فاتني وانني لن افوز به بالحسنات وانتظر رمضان القدام ولكن كلامك ايقظني
فالرحيل منتظر من هذهي الدار وبقي عشرين اخرى

جزاك الله خير
ادعولي بالتثبيت وان ينير ربي صدري ودربي ويعيين بحفظ كتابة الكريم
ولاتحرمنا اخي من كلماتك الرائعه

نور الاسلام | 2010-08-21

جزاكم الله كل خير...وعودا حميدا مباركا ...
اللهم بلغنا رمضان كما ترضاه منا وعنا ...

عاشقه الاله | 2010-08-21

نعم حقا اخوتاه هذه هي الحقبقه التي نراها واضحه امامنا وننكر وجودها اين الهمم اين التشمير للخير اين داعيه في قلوبينا ذهب مع اول ايام الشهر الكريم الا من رحم ربي اللهم اجعلنا واياكم من المرحومين وبلغنا ليله القدر بكرمك يا كريم

عائشة سهل | 2010-08-21

السلام عليكم
شكرا اخى الفاضل على هذا الكلام الذى يحرك القلب والله ان كلامك لجواهر
فهل كنا من الناجين ام اننا لازلنا بعيدا او كما قلت من الخوالف هل تقبل الله من اليسير اللذى قمنا به والله اننا لاندرى المكانة التى نحن فيها عند الله
ولكن رمضان لم ينتهى وانشاء الله سنبذل كل الجهد فى العبادات والطاعات والعمل الصالح الذى يفرح رسولنا بنا وحتى يرضى الله عزوجل عنا
شكرا لك اخى على هذه الكلامات الهزازة والمؤثرة
دمت بود اخى ورمضان كريم

تيسير كمال | 2010-08-21

بارك الله فيك وفي امه محمد وجزاك الله عن الاسلام خيرا ً وهداني الله واياكم الى ما يحب ويرضى وبارك لنا في القران الكريم وفي سنة نبينا محمد عليه افضل الصلاة واتم التسليم

هاجر الاسلام | 2010-08-21

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
بارك الله فيكم وجعله في ميزان حسناتكم ورفعه لدرجاتكم
أسال الله أن يغفر لنا ولجميع المسلمين ويبلغنا ليله القدر

هاجر الاسلام | 2010-08-21

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
بارك الله فيكم وجعله في ميزان حسناتكم ورفعه لدرجاتكم
أسال الله أن يغفر لنا ولجميع المسلمين ويبلغنا ليله القدر

الصفحة 1 من 1 صفحة


إضافة تعليق

الإسم:

التعليق:

تذكر معلوماتي نبهني في حالة وجود المزيد من التعليقات


إرسال لصديق

الإسم:

البريد الإلكتروني:

البريد الإلكتروني للمرسل إليه:

موضوع الرسالة:

نص الرسالة: