طريق التوبة

وأخذ يبكي.. وازداد بكاؤه.. فأبكى من حوله من المصلين.. توقف الإمام عن القراءة، ولم يتوقف محمد عن البكاء.. قال الإمام: الله أكبر وركع.. فركع المصلون وركع محمد.. ثم رفعوا جميعاً بعد قول الإمام: سمع الله لمن حمده.. لكن الله أراد أن لا يرتفع محمد بجسده.. بل ارتفعتْ روحه إلى بارئها.. فسقط جثة هامدة


أنين الصمت

توبة شاب قبل موته بلحظات في المسجد


حقاً ما أتعس الإنسان حين تستبد به عاداته وشهواته فينطلق معها إلى آخر مدى.

لقد استعبدت محمداً الخطيئة والنزوة فأصبح منقاداً لها، لا يملك نفسه، ولا يستطيع تحريرها؛ فحرفته إلى حيث لا يملك

لنفسه القياد؛ إلى حيث الهلاك.. فكان يسارع إلى انتهاك اللذات، ومقارفة المنكرات؛ فوصل إلى حال بلغ فيها الفزع

منتهاه، والقلق أقصاه.. يتبدى ذلك واضحاً على قسمات وجهه ومحياه.


لم يركع لله ركعةً منذ زمن . ولم يعرف للمسجد طريقاً.. كم من السنين مضت وهو لم يصلّ.. يحس بالحرج والخجل إذا ما

مرّ بجانب مسجد الأنصار -مسجد الحي الذي يقطنه- لكأني بمئذنة المسجد تخاطبه معاتبة: متى تزورنا...؟؟
كيما يفوح القلب بالتقى..

كيما تحس راحةً.. ما لها انتها..

كيما تذوق لذة الرجا....

ليشرق الفؤاد بالسنا..

لتستنير الورح بالهدى...

..متى تتوب؟؟.. متى تؤوب؟؟..

فما يكون منه إلا أن يطرق رأسه خجلاً وحياءً.


شهر رمضان.. حيث تصفد مردة الشياطين، صوت الحق يدوي في الآفاق مالئا الكون رهبةً وخشوعاً.. وصوت ينبعث من

مئذنة مسجد الأنصار... وصوت حزين يرتل آيات الذكر الحكيم.. إنها الراحة.. إنها الصلاة.. صلاة التروايح.


وكالعادة؛ يمر محمد بجانب المسجد لا يلوي على شيء. أحد الشباب الطيبين يستوقفه، ويتحدث معه ثم يقول له: ما

رأيك أن ندرك الصلاة؟ هيّا، هيّا بنا بسرعة.


أراد محمد الاعتذار لكن الشاب الطيب مضى في حديثه مستعجلاً.. كانت روح محمد تغدو كعصفور صغير ينتشي عند

الصباح، أو بلله رقراق الندى.. روحه تريد أن تشق طريقها نحو النور بعد أن أضناها التجوال في أقبية الضلال.

قال محمد: ولكن لا أعرف لا دعاء الاستفتاح ولا التحيات.. منذ زمن لم اصلِّ، لقد نسيتها.

-كلا يا محمد لم تنسها؛ بل أنسيتها بفعل الشيطان وحزبه الخاسرين.. نعم لقد أنسيتها.


وبعد إصرار من الشاب الطيب، يدلف محمد المسجد بعد فراق طويل. فماذا يجد..؟ عيوناً غسلتها الدموع، وأذبلتها العبادة..

وجوهاً أنارتها التقوى.. مصلين قد حلّقوا في أجواء الإيمان العبقة..


كانت قراءة الإمام حزينة مترسلة.. في صوته رعشة تهز القلوب، ولأول مرة بعد فراق يقارب السبع سنين، يحلق محمد

في ذلك الجو... بيد أنه لم يستطع إكمال الصلاة.. امتلأ قلبه رهبة.. تراجع إلى الخلف، استند إلى سارية قريبة منه.. تنهد

بحسرة مخاطباً نفسه: بالله كيف يفوتني هذا الأجر العظيم؟! أين أنا من هذه الطمأنينة وهذه الراحة؟!



ثم انخرط في بكاء طويل.. ها هو يبكي.. يبكي بكل قلبه، يبكي نفسه الضائعة.. يبكي حيرته وتيهه في بيداء وقفار

موحشة.. يبكي أيامه الماضية.. يبكي مبارزته الجبار بالأوزار...!


كان قلبه تحترق.. فكأنما جمرة استقرت بين ضلوعه فلا تكاد تخبو إلا لتثور مرة أخرى وتلتهب فتحرقه.. إنها حرقة

المعاصي... أنها حرقة الآثام.

لك الله أيها المذنب المنيب، كم تقلبت في لظى العصيان، بينما روحك كانت تكتوي يظمأ الشوق إلى سلوك طريق الإيمان..!
كان يبكي -كما يقول الإمام- كبكاء الثكلى.. لقد أخذتْه موجة ألمٍ وندمٍ أرجفتْ عقله فطبعتْ في ذهنه أن الله لن يغفر له.

تحلّق الناس حوله.. سألوه عما دهاه.. فلم يشأ ان يجيبهم.. فقط كان يعيش تلك اللحظات مع نفسه الحزينة.. المتعبة،

التي أتعبها التخبط في سراديب الهلاك.

في داخله بركان ندمٍ وألمٍ، لم يستطع أحدٌ من المصلين إخماده.. فانصرفوا لإكمال صلاتهم..

وهنا يأتي عبد الله، وبعد محاولات؛ جاء صوت محمد متهدجاً، ينم عن ثورة مكبوتة: لن يغفر الله لي.. لن يغفر الله لي.. ثم

عاد لبكائه الطويل..

أخذ عبد الله يهون عليه قائلا: يا أخي، إن الله غفور رحيم.. إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده

بالنهار ليتوب مسيء الليل.

هنا يرفع محمد رأسه وعيناه مخضلتان بالدموع.. ونبرات صوته أصداء عميقة.. عميقة الغور قنوطاً من رحمة الله، قائلا:

بشهقات كانت تتردد بين الفينة والأخرى: كلا؛ لن يغفر الله لي.. لن يغفر الله لي..

ثم سكَتَ ليسترد أنفاسه؛ وليخرج من خزانة عمره ماحوت من أخبار.. وعاد الصوت مرة أخرى متحشرجاً يرمي بالأسئلة

التائهة الباحثة عن فرار.. كان صوته ينزف بالحزن.. بالوجع.. ثم أردف قائلا: أنت لا تتصور عظيم جرمي.. وعظم الذنوب التي

تراكمتْ على قلبي.. لا ..لا.. لن يغفر الله لي، فأنا لم أصلِّ منذ سبع سنوات!!!


ويأبى عبد الله إلا أن يقنع محمداً بسعة عفو الله ورحمته، فها هو يعاود نصحه قائلا: يا أخي، احمد الله أنك لم تمت على

هذه الحال.. يا أخي إن الله -سبحانه وتعالى- يقول: (يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك

بي شيئاً؛ لأتيتك بقرابها مغفرة)، ثم إن قنوطك من رحمة الله عز وجل أعظم من عصيانك له.. ثم أخذ يتلو عليه آيات

الرحمة والرجاء، وأحاديث التوبة، وكرم الله وجوده في قبول التائبين.. ولكأني به قد أيقظ في نفس محمد بارقة أمل، فيحس

محمد أن باب التوبة فد انفرج عن فتحة ضيقة يستطيع الدخول فيها.

وهنا تكسرت أمواج قنوط محمد العاتية على شطآن نصائح عبد الله الغالية، فشعر بثقل هائل ينزاح عن كاهله.. فيخف

جناحه، وترفرف روحه، تريد التحليق في العالم الجديد.. في عالم الأوبة والتوبة..!

ها هو ذا صدره أرضاً بكراً يستقبل أول غرسة من النصائح المثمرة.. تلك النصائح التي نشرت الأمان والطمأنينة والرجاء في

نفس محمد كما ينشر المطر -بإذن الله- الاخضرار على وجه الصحاري المفقرة المجدبة..!

وها هو ذا عبد الله يعرض عليه أمراً: ما رأيك يا أخي الكريم أن تذهب إلى دورة المياه لتغتسل.. لتريح نفسك.. ولتبدأ حياة

جديدة..

فما كان من محمد إلا أن وافق ناشداً الراحة.. وأخذ يغتسل، ويغسل من قلبه كل أدران الذنوب وقذارتها التي علقت به..

لقد غسل قلبه هذه المرة، وملآه بمعان مادتها من نور..
وسارا نحو المسجد، وما زال الإمام يتلو آيات الله.. تتحرك بها شفتاه، وتهفو لها قلوب المصلين.

وأخذا يتحدثان .. وصدرت الكلمات من شفتي عبد الله رصينة تفوح منها رائحة الصدق والحق والأمل، بريئة من كل بهتان..

وهز محمداً الحديث فكأنما عثر على كنز قد طال التنقيب عنه..!

ثم أخذ يحدث نفسه: أين أنا من هذا الطريق..؟ أين أنا من هذا الطريق..؟.. الحمد لله غص بها حلقه من جرّاء دموع قد

تفجرت من عينيه.. سار والدموع تنساب على وجنتيه، فحاول أن يرسم ابتسامة على شفتيه، بيد أنها ابتسامة مخنوقة

قد امتقع لونها؛ فنسيت طريقها إلى وجهه؛ فضاعت..



قال: عسى الله أن يغفر لي -إن شاء الله-.

فبادره عبد الله: بل قل اللهم اغفر لي واعزم في المسألة يا رجل.

واتجها صوب المسجد، ونفس محمد تزداد تطلعاً وطمعاً في عفو الله ورضاه..

دخل المسجد ولسان حاله يقول: اللهم اغفر لي.. اللهم ارحمني.. يا إلهي قد قضيت حياتي في المنحدر.. وها أنذا اليوم

أحاول الصعود، فخذ بيدي يا رب العالمين..

يا أرحم الرحمين.. إن ذنوبي كثيرة .. ولكن رحمتتك أوسع..

ودخل في الصلاة وما زال يبكي.. الذنوب القديمة تداعى بناؤها.. وخرج من قلب الأنقاض والغبار قلباً ناصعاً مضيئاً بالإيمان..!

وأخذ يبكي.. وازداد بكاؤه.. فأبكى من حوله من المصلين..

توقف الإمام عن القراءة، ولم يتوقف محمد عن البكاء.. قال الإمام: الله أكبر وركع.. فركع المصلون وركع محمد.. ثم رفعوا

جميعاً بعد قول الإمام: سمع الله لمن حمده.. لكن الله أراد أن لا يرتفع محمد بجسده.. بل ارتفعتْ روحه إلى بارئها..

فسقط جثة هامدة..
وبعد الصلاة.. حركوه.. قلبوه.. أسعفوه علهم أن يدركوه.. ولكن (فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).



كتاب العائدون إلى الله






التعليقات
شيماء | 2010-11-25

اللهم تقبل منا واغفر لنا وارحمنا واجعلنا من المقبولين عندك يا الله

ابو محروس | 2010-05-08

ما شاء الله والله ما احسنها من ميتة * اللهم ارزقنا حسن الخاتمة وادخلنا فسيح جناته* اللهم اغفر لنا ولجميع المسلمين__ امين امين

التااائيب الى الله | 2010-04-18

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ياخوان انا مادخلت هنا الا اني رجعت من معاصي تكفوووووون طااااالبكم وشاد فيكم الأمل
ادعوا لي بالمغفره والصلاح ادعوا لي بالفلاح والنجاح

التائب الى الله

ام انس | 2009-11-16

لا اله الا الله ما اجمل هذه الخاتمه اللهم اجعل احسن اعمالنا خواتيمها

حبيب الرحمن | 2009-11-02

اللهم ثببتنا وارحمنا واكتب لنا حسن الخاتمه

محمدو بن المختار | 2009-10-17

رحمه الله اللهم اغفرله واعف عنه وبدل سيئاته حسنات قصة مؤثرة جدا وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتي مايكون بينه وبينهاإلاذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها هنيئالهذا الشاب توبته الصادقة وحسن الخاتمة مات في الصلاة لاإله إلا الله يالهامن خاتمةحسنة

طالبت الغفران | 2009-09-03

الله يرحمو و يرحمنا اجمعين و اهدنا كما هديته يا رب العالمين

فريدة | 2009-08-29

اللهم اغفر له وثوب عليه وأرحمه آمين آمين آمين
اللهم أهدينا وأهدي شباب وشابات المسلمين وأعطينا حسن الخاتمة وأدخلنا الفردوس الأعلى

امبية | 2009-08-28

اللهم ارزقنا التوبة الصادقة وحسن الخاتمه

عاشقة الجنان | 2009-08-27

الله يرحمه ويغفر لة اللهم رزقنا حسن الخاتمة

3aedon incha allah | 2009-08-27

ikhwati assalamo 3alaykom
men fadlekom od3o li belhedaya wa a3inoni 3ala tawba fa9ad assarani chaytano wa rof9ate soue fmodo ilaya aydikom timitar.01@live.fr

الراجية عفة الله | 2009-08-27

سبحان الله ما شاء الله اللهم ارحمه و اسكنه فسيح جناتك يا رب العالمين

حياة خديجة | 2009-08-26

سبحان الله العظيم يهدي من يشاء . اللهم ارحمه و ارحمنا اجمعين . اللهم اهدنا الى طريقك المستقيم يا اكرم الاكرمين يا دا الجلال و الاكرام.

ايمان الجزائرية | 2009-08-24

اللهم تب علينا و أرحمنا ...وأجعله من أهل الجنة.....ُُُآآآآآمـــــــــــــــيـــن

سالم | 2009-08-24

اللهم انر دروبنا كما انار الله دربه

احمد | 2009-08-24

ماشاء الله الله يرحمه ويغفر له

ماذا لو انه لم يقابل هذا الصديق الطيب....؟
لكان مات وهو لا يصلي....ارايتم رحمة الله؟

زينب المغربية | 2009-08-23

اللهم ارحمه , و ارحمنا يا ارحم الراحمين يا رب ألعالمين

ملاك | 2009-08-23

اللهم اغفر لنا وتب علينا انك انت التوااب شكرا على هذه القصر الرائعة

abidine | 2009-08-23

lah meje3l 5er e3mlina 5wtemha we 5er eyamena youm nel9ak vih we rzou9na housna 5atim yarb 2min 2min 2min

هشام | 2009-08-23

اللهم رزقنا حسن الخاتمة

ندوش | 2009-08-23

ما شاء الله على هذه القصة الراااائعة

ندى | 2009-08-23

ماشاء الله على هذه القصة الراااائعة اللهم اهدنا كما هديته الله يرحمه

العائدة الى الله | 2009-08-23

تقبله الله من التائبين وغفر له

زياد | 2009-08-23

رحمه الله ان شالله من اهل الجنه

الصفحة 1 من 1 صفحة


إضافة تعليق

الإسم:

التعليق:

تذكر معلوماتي نبهني في حالة وجود المزيد من التعليقات


إرسال لصديق

الإسم:

البريد الإلكتروني:

البريد الإلكتروني للمرسل إليه:

موضوع الرسالة:

نص الرسالة: