طريق التوبة

ولا شك أن المعاصي إذا انتشرت في قوم ولم ينكروها أوشك الله أن يعمهم بعذابه وعقابه، قال تعالى: [ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ]


سعد بن عبدالله السعدان

المجاهرون بالمعاصي..شذوذٌ وانتكاس

لا شك أن الذنوب والمعاصي خطر يهدد حياة الفرد والجماعة، وصيحة نذير بحلول العقوبات والمهلكات ، وأشد من ارتكاب المعاصي التهاون والمجاهرة بها، والتحقير من شأنها، فعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إياكم ومُـحَقِّرَات الذنوب، كقومٍ نزلوا في بطن واد، فجاء ذَا بعُود وجاء ذَا بعود حتى انضَجُوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه». (1) قال المناوي: «إياكُم ومحقِّراتِ الذنوب» أي: صغائرها، لأن صغارها أسباب تؤدي إلى ارتكاب كبارها، كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحري كبارها.اهـ (2)

والمرء في سلامة وعافية مادام أنه يذنب ويتوب إلى الله، مالم يجاهر ويفاخر بمعصيته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل أمتي مُعافىً إلا المجاهرين، وإنَّ من المجاهَرةِ أن يعملَ الرَّجلُ بالليلِ عملاً ثمَّ يُصبحُ وقد سَتره الله، فيقولُ: يا فلانُ عملتُ البارحةَ كذَا وكذَا، وقد باتَ يسترُه ربُّه ويُصبحُ يكشفُ سترَ الله عنه».(3) قال النووي: وقوله «إلاَّ المجَاهِرين» هم: الذين جاهروا بمعاصيهم وأظهروها، وكشفوا ما سترَ الله تعالى عليهم، فيتحدثون بها لغير ضرورة ولا حاجة، يقال: جَهرَ بأمره وأَجْهَر وجَاهر. (4)

والمجاهرة بالمعاصي، وفعلها علانية، والتفاخر بها يعد استخفافاً بأوامر الله، وعلامة شر تأتي على الأخضر واليابس، يقول ابن بطال:«في الجهر بالمعصية استخفافٌ بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضربٌ من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف، لأن المعاصي تُذِل أهلها، ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد، ومن التعزير إن لم يوجب حداً، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك». اهـ (5)

وإذا ابتُلي شخص بالوقوع في معصية فليستر نفسه، ليستتر بستر الله تعالى، وحتى يكون في ذلك محفزاً له للتوبة والرجوع إلى الله، ورجاء أن يرتدع وينيب، فإن الله سِتِّير يحب الستر.

قال ابن تيمية: ولهذا نهى الله تعالى عن إشاعة الفاحشة و كذلك أمر بستر الفواحش كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من ابتُلي من هذه القاذورات بشيءٍ فليستتر بستر الله، فإنه من يبدلنا صفحتَه نُقِمْ عليه كتابَ الله ».(6) و قال :«كلُّ أُمتي مُعافىً إلاَّ المجاهرين، و إنَّ من المجاهَرةِ أن يبيتَ الرجلُ على الذنبِ قد سترَه الله فيصبحُ يتحدَّثُ به » فما دام الذنب مستوراً فعقوبته على صاحبه خاصة، و إذا ظهر و لم يُنكَر كان ضرره عاماً فكيف إذا كان في ظهوره تحريك لغيره إليه..ولهذا كره الإمام أحمد و غيره إنشاد الأشعار الغزل الرقيق، لأنه يحرك النفوس إلى الفواحش فلهذا أمر من يبتلى بالعشق أن يعف و يكتم و يصبر فيكون حينئذ ممن قال الله فيه: [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ] يوسف:90 اهـ (7)

وفي هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن، أصبح بعض مرضى القلوب ممن أسرتهم الشهوات وأغواهم الشيطان يفاخر بفعل المعاصي ويعلنها ولا يستتر! فيخبر كيف يصطاد البنات إلى شراكه وكيف يفعل ويصنع لجذبهن إليه، وربما شرح بعضهم بالتفصيل كيف يعاشر بالحرام والعياذ بالله، بدون حياء ولا خوف من الله، ولا من الناس!؟ ، بل هناك من يشرح من خلال برنامج فضائي كيفية المعاشرة الجنسية!؟ وهناك من يخبر بأنه يسافر ويشرب ويفعل كذا وكذا ، والأدهى والأمر أن يصل الحال أن تصف فتاة علاقاتها بالرجال!!إلى غير ذلك من أمور يندى لها الجبين، حتى استهان بعض الناس بالمعاصي. وهذا لم يتأتى إلا بمباركة بعض القنوات الفضائية الهادمة للفضيلة، الناشرة لكل رذيلة، التي ترعى وتشجع هذا التوجه!

ولا شك أن المعاصي إذا انتشرت في قوم ولم ينكروها أوشك الله أن يعمهم بعذابه وعقابه، قال تعالى: [ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] الرُّوم:41 قال أبو العالية : « من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة » (8) والذين يحبون أن تشيع الفحشاء في الناس توعدهم الله بعذاب أليم، فقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] النور:19


قال الشوكاني: «أي يحبون أن تفشو الفاحشة وتنتشر، ومن قولهم: شاع الشيء يشيع شيوعاً وشيعاً وشيَعاناً إذا ظهر وانتشر، والمراد بالذين آمنوا المحصنون العفيفون، أو كل من اتصف بصفة الإيمان، والفاحشة هي: فاحشة الزنا أو القول السيء [لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا] بإقامة الحد عليهم، والآخرة بعذاب النار».(9) فحري بنا إدراك خطورة هذا الأمر ، والعمل على إنكار المنكر، والنصح والتوجيه، ليعم الخير، وتحل البركات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــ

(1) قال ابن حجر: أخرجه أحمد[22860] بسند حسن. ( فتح الباري11/329) . (2) فيض القدير(3/127). (3) البخاري(5721). (4) شرح مسلم( 18/119). (5) فتح الباري (10/487). (6) البيهقي في الكبرى( 8 326 ) والحاكم(7615 ) من حديث ابن عمر. وصححه، ووافقه الذهبي. (7) المجموع (14/465). (8) تفسير ابن كثير (3/ 576 ). (9) فتح القدير(4/14).



سعد بن عبدالله السعدان






التعليقات
داع الفضيلة | 2009-11-04

ما شاء الله تبارك الله مقااااال قيم وهاادف في وقته بالفعل نفع الله به
وكفانا شر المجاهرين بالمعاصي فهم شر على المجتمع جزى الله الكاتب خيرا الجزاء

الصفحة 1 من 1 صفحة


إضافة تعليق

الإسم:

التعليق:

تذكر معلوماتي نبهني في حالة وجود المزيد من التعليقات


إرسال لصديق

الإسم:

البريد الإلكتروني:

البريد الإلكتروني للمرسل إليه:

موضوع الرسالة:

نص الرسالة: