طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2009-06-24

عدد الزوار 2595

يا حبذا المزيةُ الطيِّبة ! ونِعْمَ الخصيصةُ المحبَّبة في القلوب النبيلة! تلك القلوب التي فتَّشت عن جميل السَّجايا في ذَواتها، فسقَتها، ونمَّتها حتى تَرَعرَعَت في خميلة نفسِها، ففاحَت عطراً جذبَ إليه الفراشات المزركَشَة التي تعشَق الجمال، واستقطَبَت البلابلَ التي تبحثُ عن الأمان والسَّلام.


بدر الحسين



يا حبذا المزيةُ الطيِّبة ! ونِعْمَ الخصيصةُ المحبَّبة في القلوب النبيلة!

تلك القلوب التي فتَّشت عن جميل السَّجايا في ذَواتها، فسقَتها، ونمَّتها حتى تَرَعرَعَت في خميلة نفسِها، ففاحَت عطراً جذبَ إليه الفراشات المزركَشَة التي تعشَق الجمال، واستقطَبَت البلابلَ التي تبحثُ عن الأمان والسَّلام.

إن بَذرةَ التَّواضُع في النفس أشبهُ بالدالية التي تتقدَّم فِناء منزل عَتيق تغطِّي باخضِرارها ونُضارة أوراقها الممتدَّة ملامحَ هذا المنزل ليبدوَ للناظر لوحةً فنيةً ساحرة.

فما بالُكَ إذا تقدَّمت هذه الدَّاليةُ إطلالةَ بيتٍ جميل مَتين البناء، عالي الأسوار؟
فلا جَرمَ أنَّ منظرَهُ سيكون فاتناً، وكذلك فإنَّ جَمال مَظهر الإنسان عندما يَلتقي مع مَخبَره فإنه يَغدو يَنبوعاً متدفِّقاً يُفيض من جَنباته النَّفع والصَّلاح.

التواضعُ مزية تدلُّ على النبل والكرم ونقاء السَّريرة وصفاء الطويَّة؛ لأنها لمسةٌ من لمسات الخالق أودَعَها في نُفوس عباده فتمثَّلها الأنبياء والرسُل والصالحون، والنبلاء والمفكِّرون من البشر، الذين عَرَفوا قُدرة الخالق، وضَعف المخلوق، ووَعَوا رسالةَ الحياة الغَرورة القصيرة.

تأمَّلوا قولَ الخالق -عزَّ وجلَّ- في حثِّه على التواضُع: {واخْفِض جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المؤمِنين}[1].

المتواضع قمرٌ يَهَبُ النور، وشمسٌ تَمنحُ الدِّفْء، وابتسامةٌ تَتَكَلَّل بالفَرَح، وعَندليبٌ يُطرب الأَيك.

والمتواضع رسالةُ سلام تَمشي على الأرض، وقلبٌ مِعطاء يُقدِّم للآخَرين إنسانيته ومعروفَه على طَبَق من ذَهَب، فيَسعدون بلُقياه؛ لأنهم يَجدون فيه جانباً آمناً وطريقاً سهلةً مَحفوفة بالزَّهر خاليــةً من الأشواك.

وقديماً قالت العرب: ((لا حَسَبَ كالتَّواضُع، ولا شَرَفَ كالعِلم))[2].

قرأتُ التواضعَ قصيدةً مباركة في حياة الأنبياء، ورأيتُه مَنظراً بديعاً في انحِناء السَّنابل، وفِطرةً نقيَّة في سُجود الكائنات لله.

عِشتُه فَرَحاً في أعيُن التلاميذ عندما يُبادرهم معلِّموهم بالسَّلام والابتسامة.
وأجمل ما رأيتُه في نفوس المتخاصِمين عندما يبدأُ خَيرُهم بالسَّلام على أخيه فيَخرُج دخانُ الحِقد، ويَصفو بلَّور النفس، ويحلُّ الوِصالُ بعد الهَجر، والحبُّ بعد الكُره.

التواضع دليلٌ صريح على ازدِهار الصحَّة النفسية عند الإنسان؛ لأن غِيابَه ينمُّ عن اضطِراب في تَكوين الشخصيَّة.

وحسبُ المتواضع فَخراً أنَّ الله يُحبُّه والملائكةُ ومن ثَمَّ جميع الناس.

ولو استَنطَقنا التاريخَ عن خاتمة المتواضِعين من العُلماء والملوك والأُمَراء والقادَة وعامَّة الناس لأجاب بإكبار، ولأدَّى السلام لهم.

أما أولئك المتكبِّرون فقد حَصَدوا ما زَرَعوا، وخلَّفوا سِيَراً مَشؤومَة تَفوح بالكراهية.

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلَّم قال: ((ما نَقَصَت صَدَقةٌ مِن مال، وما زادَ اللهُ عَبداً بعَفوٍ إلا عِزّاً، وما تواضعَ أحدٌ لله إلا رَفَعَه الله)) [رواه مسلم].

وهذا ابن المعتزِّ يقول : "أشدُّ العلماء تواضعاً أكثرُهم علماً، كما أنَّ المكانَ المنخفِضَ أكثرُ البِقاع ماءً"[3].

ومَن ظنَّ أن التواضعَ ضعفٌ فقد أخطأَ الفهم، وجانبَ الصواب؛ لأنَّ التواضعَ ثمرةُ الإيمان، والإيمانُ لا يسكنُ في القلوب الخرِبَة ذات الشرايين المتقطِّعة والجوانب المتصدِّعة، وإنما يسكنُ القلوب القويَّة الراسية، ويألَفُ النفوسَ المتسامحة الزكيّة.

فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم قال: ((لو دُعيتُ إلى كُراعٍ أو ذِراعٍ لأَجَبتُ، ولو أُهدِيَ إليَّ ذِراعٌ أو كُراعٌ لأَجَبتُ)) [رواه البخاري].

وما أروعَ هذا القولَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الرجال : ((هَوِّن عليكَ، فإنِّي لستُ بمَلِكٍ، إنما أنا ابنُ امرَأَةٍ مِن قُرَيش كانت تأكُلُ القَديدَ بمَكَّة)).

فيا أيها الآباءُ والأمَّهات والمربونَ أعينوا أبناءكم على تنميةِ هذه البَذرَة في نُفوسِهِم، وخيرُ وسيلة لتنميتها أن تكونوا مُتواضِعين معهم تَنبِذون ما نَبا من سُلوكهم وألفاظهم، وما خالفَ الفِطرةَ السليمة، رغِّبوهم بالتواضع ونفِّروهم من التكبُّر، وأَنعِشوا أَسماعَهُم بالقصص التي تُبرزُ قيمةَ التواضع.

ودونَكم بعضَ الأقوال في التواضُع:- ليس للمَرءِ سوى مَجدٍ واحدٍ حَقيقي، هو التواضُع[4].
- التواضعُ اكتسابُ المجد، واجتلابُ المجد[5].
- أَلِن جانِبَكَ لقَومِكَ يُحبُّوك، وتواضَع لهم يَرفَعوك، وابسُط لهم يَدَك يُطيعوك[6].

ورحم الله الشعراءَ الذين قالوا:
- مَلأَى السَّنابلِ تَنحَني بتَواضُعٍ والفارِغاتُ رُؤوسُهنَّ شَوامِخُ


- تَواضَعْ تَكُنْ كالبَدرِ لاحَ لناظِرٍ عَلا طَبَقاتِ الجَوِّ وهوَ رَفيعُ


- تَواضَعْ إذا مانِلتَ في الناسِ رِفعةً فإنَّ رَفيعَ القَومِ مَن يَتَواضَعُ



ولتَعلَموا أيها الإخوةُ أنَّ التواضعَ مَجلبَةٌ للسَّعادة والاطمئنان، ومَدعاةٌ لحُصول المحبَّة، وطريقةٌ مَأنوسَةٌ لنشر ثقافةِ السلام، وإعلانِ الصُّلح بين الإنسان ونفسِه، وبينه وبين خالقِه، وبينه وبين البَشَر كافَّة.

وقد قال ألفرد دو موسِّيه: "التواضعُ الحقيقيُّ أبو كلِّ الفَضائل".

ولا أُغالي إن قلت: إنَّ التواضعَ أحدُ أهمِّ الأسلحة في نشر العِلم والسلام والمحبَّة في أرجاء المعمورَة.


ـــــــــــــــــــــــــــ[1] سورة الشعراء، الآية: 215.
[2] موسوعة روائع الحكمة ص 172.
[3] المصدر السابق.
[4] ألفرد دو موسِّيه.
[5] قول يوناني.
[6] العماد الأصبهاني.







طريق التوبة