وليس هذا فقط فهناك إعداد الخطة السنوية ، وإعداد بحث تخصصي ، وإعداد ورقة عمل للمناقشة فيها مع بقية الزملاء ، وإعداد ملف إنجاز .. الخ الخ ومع هذا كله ووسط هذا الحشد الحاشد من التكاليف التي تتجدد ولا تنتهي : فهو مطالب أن يبقى جديداً متجددا ، نشيطاً مؤثرا ، معطاء باستمرار ، براقا في كل يوم ، مبتسما في كل وجه ، يضع أعصابه في ثلاجة منزله ، ويأتي إلى مدرسته بلا أعصاب أصلا .. يوجه ، ويرشد ، ويعلم ، ويناقش ، ويحاور ، ويكتب ، ويقرأ ، ويتابع ويشرف ، ويصحح ويصوب ، ويشخص ويعالج ، ويهذب ويقوم ، وينظم ويشرح ويسأل ، ويصيح حتى تنقطع حنجرته ، ويحل مشاكل
يمامة الوادي
وليس هذا فقط فهناك إعداد الخطة السنوية ، وإعداد بحث تخصصي ، وإعداد ورقة عمل للمناقشة فيها مع بقية الزملاء ، وإعداد ملف إنجاز .. الخ الخ
ومع هذا كله ووسط هذا الحشد الحاشد من التكاليف التي تتجدد ولا تنتهي :
فهو مطالب أن يبقى جديداً متجددا ، نشيطاً مؤثرا ، معطاء باستمرار ، براقا في كل يوم ، مبتسما في كل وجه ، يضع أعصابه في ثلاجة منزله ، ويأتي إلى مدرسته بلا أعصاب أصلا .. يوجه ، ويرشد ، ويعلم ، ويناقش ، ويحاور ، ويكتب ، ويقرأ ، ويتابع ويشرف ، ويصحح ويصوب ، ويشخص ويعالج ، ويهذب ويقوم ، وينظم ويشرح ويسأل ، ويصيح حتى تنقطع حنجرته ، ويحل مشاكل لا تنتهي ، وهلم جرا !!
.
بل عليه أن يكون كما أوصى بذلك مؤلفو كتاب ( المعلم أمة وحده ) مترجم :
واعظاً مؤثراً .. ومحاضراً مسدداً .. وقاصا ماهراً .. وممثلاً بارعاً .. وعالم نفس .. وخبير تربية .. وطبيبا وخطاطاً ورساماً .. وأبا وأخا وصديقا ، وخادماً أيضا ..!!
فعليه أن يضرب الأمثال ، ويحكي ويقص ، ويطعم كلامه من محفوظات شعره ، ويتحرك وينفعل مع المعاني التي يدور بها لسانه ،
وأن يبتلع المواقف البايخة التي تعترضه، وأن يستعمل الإيماء والإيحاء ، والتلميح والتصريح ، والإشارة والعبارة ، وأن يحسن خطه ، ويجود منطقه ، ويزن الأمور بحكمة الشيوخ ، وأن يلبس كذا ، ويقف بالطريقة الفلانية ، الخ الخ
ولا يبقى بعد هذا كله إلا أن يقال له :
ثم عليك أن لا تتوعك ، ولا تمرض ولا تموت ، حتى آخر السنة الدراسية !!
.
وهو مطالب مع هذا كله : أن يبقى كاظماً لغيظه مهما ظهرت من مشاكل في فصله ، حتى لو خرج تلميذ في الحصة من ثياب الآدمية !!
فالضرب جريمة لا تغتفر إن هو لجأ إليها ، وطرد الطلاب قد يسبب له مشكلة مع إدارة المدرسة ، والصياح في وجه الطالب قد يجعله سخرية في عيون الطلاب الآخرين ، فيلزمه أن يكتسب صفة أولي العزم من الرسل ، فيمسح على رأس الطالب ويدعو وتمتم ، فإذا بذلك التلميذ قد أصبح حملا وديعا ، بعد أن كان ذئبا جامحاً ..!!
ولا حل غير هذا ، إلا أن تدع الحبل على الغارب ، فيتحول الصف إلى سوق سمك حقيقي لا مجازي !!
ولاسيما حين يتضح لك أن إدارة المدرسة نفسها لا حول لها ولا قوة ، وأن أقصى ما تفعله بهذا الطالب المتفرعن ، أن تأخذ عليه تعهدا ، أن لا يكرر ما فعل ، وربما استدعت ولي أمره ، للفت نظره ، ولا شيء وراء ذلك.. !!
فقوانين الوزارة الموقرة قوانين حديثة مودرن !! قائمة أصلا على تدليل هذا الطالب ، إلى أقصى صور التدليل ، فليفعل ما يشاء فلن يتعرض لعقوبة..!
.
فلا عجب إن رأينا الطلاب لا يحترمون معلما ، ولا يقدرونه ، بل ربما اعتبره بعضهم ، خادماً يعمل في خدمتهم فحسب !!
ولا ننسى بعد هذا كله أنه قد يُطالب أن يعمل في لجان مراقبة وملاحظة ، خارج مدرسته ، بعد الفراغ من يومه المدرسي ..!!
وفوق هذا كله تأتي في نهاية كل عام ، قضية نفسية تحطم ما بقي من أعصاب هذا الإنسان المحطم ..!
ألا وهي قضية حركة التنقلات بين المدارس ، ويبقى واضعا يده على قلبه ، مترقبا منتظرا ، متلهفا ، إلى أي مربع سيُحرك حجر الشطرنج هذا المرة !!
.
الحقيقة التي لا مراء فيها ، أنه إذا أردنا أن يقوم هؤلاء الجنود بتحقيق الأهداف الكبرى ، المنتظرة منهم ، فلابد ابتداءً أن نخفف عن كواهلهم تلك الأعباء الكثيرة التي كبلت حركتهم ، وجعلتهم لا يقبلون على مهمتهم بروح ونشاط وحيوية ، وحرارة وصدق وإخلاص ، فمما لاشك فيه أن هناك معوقات كثيرة ، تحول بينهم وبين العطاء على الوجه المطلوب ، ولهذا فإن الثمرة كما نرى ، لا تسر صديق ، ولا تغيظ عدوا ..!
إنهم مطالبون بأمور متعددة في آن واحد ، وما جعل الله لرجل من قلبين اثنين !
يُطالبون بحركة حثيثة ، وبجهد يقارب جهد الأنبياء عليهم السلام ، فإذا حدث تقصير ما ، أو وقع بعضا منهم في خطأ ما ، انصب على رؤوسهم شلالات من التهم ، لا تبقي ولا تذر ..!
إنك لتكاد تجزم حين تتابع مجريات حياة معلم ، أن هؤلاء القائمين على شؤونه :
لا ينظرون إليه من حيث هو ( إنسان ) تقع على عاتقه أضخم مهمة على هذه الأرض ، وهي تربية الجيل .. ولا من حيث هو ( إنسان ) له ظروفه العائلية الكثيرة ، وهمومه الحياتية المتجددة ، لكنهم ينظرون إليه من حيث هو مجرد موظف ، وعليه أن يكون كالآلة ، بل والله إنهم ليرحمون الآلة ، ويترفقون بها ، ويراعون صيانتها ..!!
.
أما هذا الإنسان الذي أحسبه الموظف الوحيد في العالم الذي لا ينتهي عمله بانتهاء ساعات دوامه الرسمية ، بل هو يحمل همومه معه إلى بيته ...!
ولعلنا أشرنا إلى تعامله مع تلاميذه في الفصل والساحات وأروقة المدرسة وجوانبها ، غير أنا نعود إلى تقرير هذه النقطة بشكل وبآخر ..
إن كل موظفي الدنيا لا يعانون ما يعنيه هؤلاء المساكين ، فأكثر موظفي العالم إنما يتعاملون مع ملفات وأوراق وشاشات ، وجرائد يومية يتسلون بها ، وهواتف شخصية يقطعون بها جزء من أوقات عملهم ونحو هذا ..
تجد هؤلاء يتعاملون مع عشرات الرؤوس في الفصل الواحد ، نفسيات مختلفة ، وعقليات متباينة ، وأنماط متداخلة ، ظروفها الحياتية متنوعة ، وحاجاتها متعددة ، وما أكثر ما تقابلك هذه النفسيات منذ أول نهارك في ضيق وضجر بسبب ظروفهم البيتية ، فيسحبها إليك!
وقسم من هذه النفسيات تجده هشاً ، وكثير منها بالغ التعقيد ، وكثير منها حولها مؤثرات أقوى منك ، وكثير منها يأتيك وقد حشي رأسه باحتقارك أصلاً ، لاسيما حين يرون بعض أولياء الأمور ، يأتي إلى المدرسة ليفرغ شحنات من غضبه وحقده ، على بعض المعلمين بلا أدنى احترام ، ولا قدسية للمكان الذي هو فيه .!
.
ثم بعد هذا كله ومع هذا كله مطلوب من هذا المعلم أن يضرب ضربة معلم !
فيعمر ما هدمه الآخرون ، ويصلح ما أفسده الشارع ، ويرمم ما دمره الإعلام ، ويقوم ما زعزعته بعض البيئات ، ويبني ما هدته الظروف ، و...و..و.. الخ
أخطاء في التصور عليه أن يصححها ، انحرافات في المفاهيم عليه أن يقومها ، تشويه في القيم عليه أن يصوبها ، سلوكيات كثيرة عليه أن يربي عليها ، وينبه إليها ، ويحذر مما يقابلها ، وعليه أن يتابع هذا كله يوماً بيوم ، هذا بالإضافة إلى قضية التعليم وإعطاء المنهج الدراسي ..الخ ..
.
هذه النفسيات المختلفة ، وهذه العقول المتنوعة ، وهذه الأنماط المتباينة ، وهذه المشاعر المتداخلة ، هي دائرة عمله ، غير أنه مهما رأى من سلوكيات لا تسر ، ولا تشجعه على المضي في مهمته ، بل وتقف حجر عثرة في طريقه ، عليه مهما رأى شيئا من ذلك :
أن يكظم غيظه ، ويبتلع شكواه ، ويدوس على مشاعره ، فلا يحق له أن يستعمل العصا ، ولا ينبغي له أن يوبخ بقسوة ، ولا يجوز له أن يطرد من الفصل ، ولا يحق له أن يرسل إلى الإدارة ، ولا .. ولا... ولا .. ولو خرّب هذا الطالب الحصة بكاملها ، لأن أي إجراء من هذه الإجراءات سيعرضه لما لا يحب من قبل إدارة المدرسة ..!!
عليه أن يحمل عصا موسى ليقرع بها ذلك الطالب الجامح على رأسه ، فيتحول إلى تلميذ بريء وديع غاية في الأدب !!
باختصار مطلوب منه أن يضع أعصابه في فريزر ..أو أن لا يحملها معه إلى المدرسة أصلا ، بل يبقيها في بيته ..!!
.
قامت تجربة في أحد المدارس منذ سنوات ،
حيث انتقد مجموعة من الآباء ، في اجتماع مع أولياء الأمور ، أداء المعلمين في المدرسة ، فاختار مدير المدرسة عددا منهم بعناية ودقة ، وألح عليهم أن يزوروا المدرسة في صباح اليوم التالي ، وفي اليوم التالي كلفهم أن يدخل كل منهم فصلا دراسيا ، ليبقى مع هؤلاء الطلبة حصة واحدة فقط ، وكانت مفاجأة بالنسبة لهم ، فقرر لهم أنه لن يقبل منهم شكواهم من المعلمين حتى يقوموا بهذه التجربة ، ولا عليهم أن يقدموا للطلاب أي مادة من معلوماتهم العلمية أو الحياتية ..!!
كانوا سبعة آباء ، أما أحدهم فقد رفض الدخول أصلا !!
وأما الآخرون فما لبث أن خرج خمسة منهم بعد مرور عشرة دقائق فقط ، وهم يرددون : أعانكم الله على هذه البلوى ..!
وأما الأخير فقد بقي إلى آخر الحصة ، ولو عرف السبب لبطل العجب ، لقد كان يلبس ملابسه العسكرية ذات الرتبة العالية ..!! ومع هذا فقد خرج وهو ينفخ ويتأفف ويمسح جبينه ، ويعيد ما كان يكرره الآخرون ..!!
وكم كنت أتمنى أن تكرر مثل هذه التجربة ، لا مع أولياء الأمور فحسب ، بل مع بعض الجالسين في وزارة التربية ، قبل أن يقرروا أي قرار يتعلق بهذا المعلم!
ولكن لا ليوم واحد فقط ، بل لشهر كامل ، وبجدول موفور متخم ، وأنشطة متنوعة ، وتكاليف مختلفة !!
فليس من رأى وعانى ، كمن سمع وقرأ ..!!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..
أبو عبد الرحمن
التعليقات
