إني لأحسب أن الأدب الإسلامي هو الذي يدور على ما دارت به كلمة عمرو بن عبيد رحمه الله ، فقد سئل : ما البلاغة ؟ فقال : ما بلغ بك الجنة ، وعدل بك عن النار ، وما بصرّك مواقع رشدك ، وعواقب غيك ..! وهو تعريف كما ترى يبعد كثيرا عما يعرّف به الآخرون البلاغة ! غير أني أقول : أن ما قاله رحمه الله هو بعينه ما يرمي إليه الأديب المسلم ، بل والقارئ الذي يبتغي مرضاة ربه قبل كل شيء .. وسواء جاء هذا الإبداع بقلم مسلم ، أو جاء بقلم وفكر إنسان غير مسلم ! فالكلمة الطاهرة النقية النظيفة الجميلة ، الأصل فيها أن تكون إسلامية المصدر ، وإسلامية الوج
يمامة الوادي
إني لأحسب أن الأدب الإسلامي هو الذي يدور على ما دارت به كلمة عمرو بن عبيد رحمه الله ،
فقد سئل : ما البلاغة ؟
فقال : ما بلغ بك الجنة ، وعدل بك عن النار ، وما بصرّك مواقع رشدك ، وعواقب غيك ..!
وهو تعريف كما ترى يبعد كثيرا عما يعرّف به الآخرون البلاغة !
غير أني أقول :
أن ما قاله رحمه الله هو بعينه ما يرمي إليه الأديب المسلم ،
بل والقارئ الذي يبتغي مرضاة ربه قبل كل شيء ..
وسواء جاء هذا الإبداع بقلم مسلم ، أو جاء بقلم وفكر إنسان غير مسلم !
فالكلمة الطاهرة النقية النظيفة الجميلة ، الأصل فيها أن تكون إسلامية المصدر ، وإسلامية الوجهة ، فإن نطق بها غير المسلم __ وهذا يقع كثيراً _ فليس علينا من حرج أن نعيد الأصل إلى أصحابه !
إن علينا أن نتلقف الحكمة من أي وعاء خرجت منه ، فحين نرى إنساناً غير مسلم يبدع في مجالاتٍ من الأدب ، تكون نقية صافية ، مذكرة بالله ، ملفتة إلى بدائع خلق الله ، منبهه إلى آيات الله في كونه وفي الأنفس ..
فهذا مما نعده أدباً إسلامياً ، لا على اعتبار قائله ، ولكن على اعتبار فحواه ومحتواه ..
أما الأديب المسلم الحق ، فهو الذي ينتصب بين عينيه كلما أمسك قلمه ، قول الحسن البصري رحمه الله :
لسان العاقل من وراء قلبه ، فإذا أراد الكلام تفكّر ، فإن كان له قال ( أو كتب ) ، وإن كان عليه ، سكت ( أو أمسك ) ..
وقلب الجاهل من وراء لسانه ، فإن همّ بالكلام ( أوالكتابة ) تكلم به ، له أو عليه !!
أي أن هذا الثاني لا يبالي ، فالمهم عنده أن يكون مشهورا يشار إليه بالبنان !
إن الأصل في الأدب الإسلامي أن تجد نفسك معه تنتقل من حسن إلى أحسن ، ومن جمال إلى أجمل ، ومن حلو إلى أحلى !
كأنك نحلة في حديقة غناء رائعة ، فلا تزال تطير هنا وهناك ، وتقع على الرحيق وهي طربة منتشية ، بل مبتهجة بما ترى وتسمع وتشم وتطعم !
كذلك أنت في بستان الأدب الإسلامي الذي نعنيه ، لا تزال منتشيا مبتهج القلب بما تقرأ ، وما تجمع من صور مطربة ، ومعانٍ راقية ، وبيان جميل ، وعرض بديع ، وفكر نقي صافٍ ..
ولعلك خلال هذا التطواف تجد نفسك مبهورا ، تسأل وتعجب وتسبح الله
كيف استطاع هذا الإنسان أن يأتي بكل هذا الجمال ، ومن أين له هذا الإبداع !؟
مرة أخرى نعود لنؤكد أن هذا كله قد نجده عند كاتب غير مسلم أصلا ، ولكن بشرط أن تكون المعاني راقية ، والفكرة واضحة صالحة ، والهدف لا يخالف أصلاً من أصول هذا الدين ..
اعترض عليّ يوما أحدهم في هذا ، ورأى رأياً آخر ..
فقلت له : ساضعك على المحك ، وأسأل الله أن يوفقني فيما أفكر فيه !
قال : هات ..
فذكرت له أبياتاً بديعة في صورها وفكرتها ، ثم سألته : هل تصنف هذه ضمن الأدب الإسلامي أم لا ؟
فسألني : من قائلها ؟
قلت : هذا لا يعنيك ..أسألك عما سمعت من صور جميلة ومعاني بديعة .
فتوقف قليلا ثم ابتسم وقال : أحسب أني عرفت قائلها .. هو رجل نصراني ! ولذا فإني لا أعدها من الأدب الإسلامي .
فضحكت وقلت : أخطأ حدسك ، وخانتك ذاكرتك .. إنها لرجل مسلم !!
فحملق بعينيه كأنما ألقم حجراً ، ثم قلت :
وهذه أخرى , وذكرت له أبياتاً لا تقل جمالا وروعة عن الأولى ..
وأعدت سؤالي له ، فأطال التفكر هذه المرة ، ثم قال :
إن كانت لنفس القائل السابق فهي من الأدب الإسلامي ، وإن كانت لغير مسلم فلا !!
قلت : هنا نقطة اختلافي معك .. أنت تحكم على اعتبار القائل ، وأنا مذهبي أن أحكم على النص الذي بين يدي ..
وما سمعته من جمال فاتن ، وعرض بديع ، وصور جميلة ، وحتى الفكرة راقية ، هي هذه المرة لشاعر غير مسلم ..! ولذا فهي في تصنيفي من الأدب الإسلامي .
كل ما ذكرك بالله وشد قلبك إليه ، وجعلك تدير لسانك بالتسبيح لله ، ومنحك متعة التأمل في بدائع خلق الله ، ونحو هذا ، فهو من صميم الأدب الإسلامي وإن خرج من أي وعاء ، فالعبرة عندنا بالمحتوى الذي يحرك القلب نحو الله سبحانه..!
أبو عبد الرحمن
التعليقات
