طريق التوبة

حقاً ما أتعس الإنسان حين تستبد به عاداته وشهواته فينطلق معها إلى آخر مدى.لقد استعبدت محمداً الخطيئة والنزوة فأصبح منقاداً لها، لا يملك نفسه، ولا يستطيع تحريرها؛ فحرفته إلى حيث لا يملك لنفسه القياد؛ إلى حيث الهلاك.. فكان يسارع إلى انتهاك اللذات، ومقارفة المنكرات؛ فوصل إلى حال بلغ فيها الفزع منتهاه، والقلق أقصاه.. يتبدى ذلك واضحاً على قسمات وجهه ومحياه.لم يركع لله ركعةً منذ زمن . ولم يعرف للمسجد طريقاً.. كم من السنين مضت وهو لم يصلّ.. يحس بالحرج والخجل إذا ما مرّ بجانب مسجد الأنصار -مسجد الحي الذي يقطنه- لكأني بمئذنة المسجد تخاطبه معاتبة: متى تزورن


ابراهيم دياب

حقاً ما أتعس الإنسان حين تستبد به عاداته وشهواته فينطلق معها إلى آخر مدى.لقد استعبدت محمداً الخطيئة والنزوة فأصبح منقاداً لها، لا يملك نفسه، ولا يستطيع تحريرها؛ فحرفته إلى حيث لا يملك
لنفسه القياد؛ إلى حيث الهلاك.. فكان يسارع إلى انتهاك اللذات، ومقارفة المنكرات؛ فوصل إلى حال بلغ فيها الفزع
منتهاه، والقلق أقصاه.. يتبدى ذلك واضحاً على قسمات وجهه ومحياه.لم يركع لله ركعةً منذ زمن . ولم يعرف للمسجد طريقاً.. كم من السنين مضت وهو لم يصلّ.. يحس بالحرج والخجل إذا ما
مرّ بجانب مسجد الأنصار -مسجد الحي الذي يقطنه- لكأني بمئذنة المسجد تخاطبه معاتبة: متى تزورنا...؟؟كيما يفوح القلب بالتقى..كيما تحس راحةً.. ما لها انتها..كيما تذوق لذة الرجا....ليشرق الفؤاد بالسنا..لتستنير الورح بالهدى.....متى تتوب؟؟.. متى تؤوب؟؟..فما يكون منه إلا أن يطرق رأسه خجلاً وحياءً.شهر رمضان.. حيث تصفد مردة الشياطين، صوت الحق يدوي في الآفاق مالئا الكون رهبةً وخشوعاً.. وصوت ينبعث من
مئذنة مسجد الأنصار... وصوت حزين يرتل آيات الذكر الحكيم.. إنها الراحة.. إنها الصلاة.. صلاة التروايح.وكالعادة؛ يمر محمد بجانب المسجد لا يلوي على شيء. أحد الشباب الطيبين يستوقفه، ويتحدث معه ثم يقول له: ما
رأيك أن ندرك الصلاة؟ هيّا، هيّا بنا بسرعة.أراد محمد الاعتذار لكن الشاب الطيب مضى في حديثه مستعجلاً.. كانت روح محمد تغدو كعصفور صغير ينتشي عند
الصباح، أو بلله رقراق الندى.. روحه تريد أن تشق طريقها نحو النور بعد أن أضناها التجوال في أقبية الضلال.قال محمد: ولكن لا أعرف لا دعاء الاستفتاح ولا التحيات.. منذ زمن لم اصلِّ، لقد نسيتها.-كلا يا محمد لم تنسها؛ بل أنسيتها بفعل الشيطان وحزبه الخاسرين.. نعم لقد أنسيتها.وبعد إصرار من الشاب الطيب، يدلف محمد المسجد بعد فراق طويل. فماذا يجد..؟ عيوناً غسلتها الدموع، وأذبلتها العبادة..
وجوهاً أنارتها التقوى.. مصلين قد حلّقوا في أجواء الإيمان العبقة..كانت قراءة الإمام حزينة مترسلة.. في صوته رعشة تهز القلوب، ولأول مرة بعد فراق يقارب السبع سنين، يحلق محمد
في ذلك الجو... بيد أنه لم يستطع إكمال الصلاة.. امتلأ قلبه رهبة.. تراجع إلى الخلف، استند إلى سارية قريبة منه.. تنهد
بحسرة مخاطباً نفسه: بالله كيف يفوتني هذا الأجر العظيم؟! أين أنا من هذه الطمأنينة وهذه الراحة؟!ثم انخرط في بكاء طويل.. ها هو يبكي.. يبكي بكل قلبه، يبكي نفسه الضائعة.. يبكي حيرته وتيهه في بيداء وقفار
موحشة.. يبكي أيامه الماضية.. يبكي مبارزته الجبار بالأوزار...!كان قلبه تحترق.. فكأنما جمرة استقرت بين ضلوعه فلا تكاد تخبو إلا لتثور مرة أخرى وتلتهب فتحرقه.. إنها حرقة
المعاصي... أنها حرقة الآثام.لك الله أيها المذنب المنيب، كم تقلبت في لظى العصيان، بينما روحك كانت تكتوي يظمأ الشوق إلى سلوك طريق الإيمان..!كان يبكي -كما يقول الإمام- كبكاء الثكلى.. لقد أخذتْه موجة ألمٍ وندمٍ أرجفتْ عقله فطبعتْ في ذهنه أن الله لن يغفر له.تحلّق الناس حوله.. سألوه عما دهاه.. فلم يشأ ان يجيبهم.. فقط كان يعيش تلك اللحظات مع نفسه الحزينة.. المتعبة،
التي أتعبها التخبط في سراديب الهلاك.في داخله بركان ندمٍ وألمٍ، لم يستطع أحدٌ من المصلين إخماده.. فانصرفوا لإكمال صلاتهم.. وهنا يأتي عبد الله، وبعد محاولات؛ جاء صوت محمد متهدجاً، ينم عن ثورة مكبوتة: لن يغفر الله لي.. لن يغفر الله لي.. ثم
عاد لبكائه الطويل..أخذ عبد الله يهون عليه قائلا: يا أخي، إن الله غفور رحيم.. إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده
بالنهار ليتوب مسيء الليل.هنا يرفع محمد رأسه وعيناه مخضلتان بالدموع.. ونبرات صوته أصداء عميقة.. عميقة الغور قنوطاً من رحمة الله، قائلا:
بشهقات كانت تتردد بين الفينة والأخرى: كلا؛ لن يغفر الله لي.. لن يغفر الله لي..ثم سكَتَ ليسترد أنفاسه؛ وليخرج من خزانة عمره ماحوت من أخبار.. وعاد الصوت مرة أخرى متحشرجاً يرمي بالأسئلة
التائهة الباحثة عن فرار.. كان صوته ينزف بالحزن.. بالوجع.. ثم أردف قائلا: أنت لا تتصور عظيم جرمي.. وعظم الذنوب التي
تراكمتْ على قلبي.. لا ..لا.. لن يغفر الله لي، فأنا لم أصلِّ منذ سبع سنوات!!!ويأبى عبد الله إلا أن يقنع محمداً بسعة عفو الله ورحمته، فها هو يعاود نصحه قائلا: يا أخي، احمد الله أنك لم تمت على
هذه الحال.. يا أخي إن الله -سبحانه وتعالى- يقول: (يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك
بي شيئاً؛ لأتيتك بقرابها مغفرة)، ثم إن قنوطك من رحمة الله عز وجل أعظم من عصيانك له.. ثم أخذ يتلو عليه آيات
الرحمة والرجاء، وأحاديث التوبة، وكرم الله وجوده في قبول التائبين.. ولكأني به قد أيقظ في نفس محمد بارقة أمل، فيحس
محمد أن باب التوبة فد انفرج عن فتحة ضيقة يستطيع الدخول فيها.وهنا تكسرت أمواج قنوط محمد العاتية على شطآن نصائح عبد الله الغالية، فشعر بثقل هائل ينزاح عن كاهله.. فيخف
جناحه، وترفرف روحه، تريد التحليق في العالم الجديد.. في عالم الأوبة والتوبة..!ها هو ذا صدره أرضاً بكراً يستقبل أول غرسة من النصائح المثمرة.. تلك النصائح التي نشرت الأمان والطمأنينة والرجاء في
نفس محمد كما ينشر المطر -بإذن الله- الاخضرار على وجه الصحاري المفقرة المجدبة..!وها هو ذا عبد الله يعرض عليه أمراً: ما رأيك يا أخي الكريم أن تذهب إلى دورة المياه لتغتسل.. لتريح نفسك.. ولتبدأ حياة
جديدة..فما كان من محمد إلا أن وافق ناشداً الراحة.. وأخذ يغتسل، ويغسل من قلبه كل أدران الذنوب وقذارتها التي علقت به..
لقد غسل قلبه هذه المرة، وملآه بمعان مادتها من نور..وسارا نحو المسجد، وما زال الإمام يتلو آيات الله.. تتحرك بها شفتاه، وتهفو لها قلوب المصلين.وأخذا يتحدثان .. وصدرت الكلمات من شفتي عبد الله رصينة تفوح منها رائحة الصدق والحق والأمل، بريئة من كل بهتان..وهز محمداً الحديث فكأنما عثر على كنز قد طال التنقيب عنه..!ثم أخذ يحدث نفسه: أين أنا من هذا الطريق..؟ أين أنا من هذا الطريق..؟.. الحمد لله غص بها حلقه من جرّاء دموع قد
تفجرت من عينيه.. سار والدموع تنساب على وجنتيه، فحاول أن يرسم ابتسامة على شفتيه، بيد أنها ابتسامة مخنوقة
قد امتقع لونها؛ فنسيت طريقها إلى وجهه؛ فضاعت..
قال: عسى الله أن يغفر لي -إن شاء الله-.فبادره عبد الله: بل قل اللهم اغفر لي واعزم في المسألة يا رجل.واتجها صوب المسجد، ونفس محمد تزداد تطلعاً وطمعاً في عفو الله ورضاه..دخل المسجد ولسان حاله يقول: اللهم اغفر لي.. اللهم ارحمني.. يا إلهي قد قضيت حياتي في المنحدر.. وها أنذا اليوم
أحاول الصعود، فخذ بيدي يا رب العالمين..يا أرحم الرحمين.. إن ذنوبي كثيرة .. ولكن رحمتتك أوسع..ودخل في الصلاة وما زال يبكي.. الذنوب القديمة تداعى بناؤها.. وخرج من قلب الأنقاض والغبار قلباً ناصعاً مضيئاً بالإيمان..!وأخذ يبكي.. وازداد بكاؤه.. فأبكى من حوله من المصلين.. توقف الإمام عن القراءة، ولم يتوقف محمد عن البكاء.. قال الإمام: الله أكبر وركع.. فركع المصلون وركع محمد.. ثم رفعوا
جميعاً بعد قول الإمام: سمع الله لمن حمده.. لكن الله أراد أن لا يرتفع محمد بجسده.. بل ارتفعتْ روحه إلى بارئها..
فسقط جثة هامدة..وبعد الصلاة.. حركوه.. قلبوه.. أسعفوه علهم أن يدركوه.. ولكن (فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).



كتاب العائدون إلى الله




التعليقات
التائهة | 2010-05-01

اللهم حسن خاتمتنا

مصطفى خليل | 2009-05-06

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يارب اهدى شبابنا وارشدنا جميعا الى الطريق المستقيم ويارب اختم لنا بالباقيات الصالحات اختمنا وجزاكم الله خير البقاء

الياس الفلاح | 2009-05-06

الله أكبر الله أكبر
اللهم اجعلنا من التائبين لك في كل وقت وحين
مشكورين على القصة

Mr.ali | 2009-05-06

سبحان الله على هذه القصه وعجبا فيها وربنا يجعلنا من التوابين دائما يارب اجعل اخرتنا التوبه ثم الجنه يارب امييييييييييين

عادل من المغرب | 2009-05-06

أنا لا أصلي ولكن هذه القصة الرائعة حركت أحاسيسي وإن شاء الله غدا أبدأ أصلي

خادم الامام الحسين (ع) | 2009-05-06

اللهم ارحمنا وارحم جميع المؤمنين والمؤمنات برحمتك يا ارحم الراحمين

الدمعة | 2009-05-06

سبحان الله وبحمده سبحان الله برحمته الواسع شكررررررررررررررا جزيل الشكر علي هذا القصه الكثرمن رائعه

التائب | 2009-05-06

بسم الله الرحمن الرحيم وبعد

أشكر كل القائميـــــن على هذا الموقع الجميل

وان شاء الله لكم الأجر بإذن الله تعالى

راضية | 2009-05-06

اللهم ارحمه واجعل مثواه و مثوانا الجنة،و شكرا على هده القصة الرائعة والتي ان دلت على شئئ فانما تدل على رحمة الله الواسعة

عاطف | 2009-05-06

صدق رسول الله صلوات ربى وسلامه عليه فى قوله ان الاعمال بخواتيمها اللهم احسن خاتمتنا كما احسنت خاتمةمحمد وتب علينا انك انت التواب الرحيم سبحانك لا اله الا انت انك انت ارحم الراحمين

بـن سـعــيـد | 2009-05-06

نسأل الله العزيز من فضله الواسع أن يهدينا ويهدي جميع الشباب والشابات , ويهيأنا لفعل الخيرات .
هذا واسأل الله العلي العظيم أن يتغمده بواسع رحمته .
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين .

رامى | 2009-05-06

اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك

SANAA | 2009-05-06

اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك إن الله غفور رحيم.. إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده
بالنهار ليتوب مسيء الليل.

lمروة | 2009-05-06

اللهم انك عفو كريم تحب العفو فعفو عنا اللهم تقبل توبتة والحقة بالصالحين واغفر لة ولنا وللمسلمين

شريف | 2009-05-06

الحمد لله الذي انعم علية با لتوبة قبل الممات فهذا فضل من الله

samia | 2009-05-06

اسال الله العضيم رب العرش العضيم ان يتوبة الجميع امة السلامية يا رب

القصيمي | 2009-05-06

سبحـــــــــان الله وبحمده ....سبحـــــــــــــــــــــــان الله العظيم
باركـــ الله فيكــــــــــــــ وفي أصحاب الموقع ــــــــــــــــــــــ
وجعل ما كتبته شفيعاً لك ولأصحاب الموقع يوم القيامة
سبحـــــــــان الله وبحمده ....سبحـــــــــــــــــــــــان الله العظيم

حاتم | 2009-05-06

الله أكبر لقد صدق فصدق الله معه.

عابده من عباد الله | 2009-05-06

يا لها فعلا من قصة مؤثرة وجزاااااااااااااااكم الله خيرا على نشرها

نور الهدى | 2009-05-06

السلام عليكم ورحمة اله وبركاته
اخواني واخواتي بلله ادعو الله لي ولكم حسن الختام
واهنيء هذا الاخ من كل قلبي على هذه الخاتمه الرائعه

نهيلة | 2009-05-06

الحمد لله صدق فصدق الله معه يا لها من حسن خاتمة اللهم ارزقنا حسن الخاتمة

ابن العراق | 2009-05-06

الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله اللهم اهدنا فيمن هديت وبارك لنا بما انعمت علينا واعطيت اللهم صلي على محمد وعلى اله وصحبه اجمعين اللهم بارك في هذا الموقع والعاملين عليه اللهم احرسهم واجمعنا واياهم تحت لواء سيد المرسلين اللهم آمين وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين

اسماء | 2009-05-06

لا اله الا الله سبحانه ....اتمنى ان يتعظ كل من يقرأ هذه القصة .غفر الله لنا جميعاواحسن خاتمتنا..امييييييين

بنت مسلمة | 2009-05-06

سبحان الله ربنا يرحمنا ويغفر لنا ذنوبنا
اللهم يا مقلب القلوب على دينك

شمس | 2009-05-06

اسال.الله.ان.يغفر.له.ويرحمه.ويرحم.امواتنا.وموتى.المسلمين.وبارك...الله.فيكم.

روح الامل | 2009-05-06

أسأل الله أن يحسن خاتمتنا

عبدالرحيم الخباز | 2009-05-06

اللهم اغفر لمن قرأه هذاه القصه الشيقه ولمن تاب اليك وللمسلمين اجمعين امين يارب اللهم رضاك والجنه

وسام الراوي | 2009-05-06

والله انها لقصة رائعه تتجلى فيها معاني الهدايه هداية الله لعباده المسلمين وتتجلى فيها ايضا صورة الداعين الى الله وكيف لهم تأثير على االناس وتتجلى الصوره الرائعه لحسن الخاتمه اسأل الله تعالى ان يختم بالباقيات الصالحات اعمالنا

محمد عادل | 2009-05-06

يا هناه يا هناه ان شاء الله فى الجنه ده توفى وهو تائب ويصلى يا الله

الدنيا والدين | 2009-05-06

يارب ياااااااااارب ادعوا ان يتقبل توبت محمد وتوبتى فانى اندم الان على ما فاتنى ايضا من نعم كنت اعرفها ولكن لهانى الشيطان واكن الحمد لله ان هدانى للنقاب ونور طريقى الى نور الايمان ادعوا من الله ان يتقبل كل من ياتى اليه يارب نحن عبيدك بنو عبيدك فان لم تغفر لنا فاسنكون من الخاسرين ياااارب ارحم ذلاتنى

الصفحة 1 من 2 صفحة  1 2 >


إضافة تعليق

الإسم:

التعليق:

تذكر معلوماتي نبهني في حالة وجود المزيد من التعليقات


إرسال لصديق

الإسم:

البريد الإلكتروني:

البريد الإلكتروني للمرسل إليه:

موضوع الرسالة:

نص الرسالة: